اكتُفِي من جملةِ الجواب بالحال من دونِ ذِكْرِ الفعل وفاعله ومفعولِه، لأنه معلومٌ لا حاجةَ لذكرِه )) [1] . ومن هذا الضرب من أساليب التعبير القرآنيِّ (( الاكتفاءُ بالخبر، حيثُ لا حاجةَ لذكر المبتدأ، في نحو قولِه تعالى: [وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ] [النساء/81] ) ) [2] .
فالسياقُ كفيلٌ بسلامةِ (الاكتفاء) من جهةٍ. ولهذا (الاكتفاء) من المعاني الإيحائيةِ والظلالية، ومن الاتساع والمرونةِ ما ليس لغيره من سُبُل التعبير، أو بما يرفضُ القولَ بالتقديرِ في مقابلِ القولِ بالحذف من جهةٍ أُخرى.
إنَّ كلاًّ من (الاقتصار) و (الاكتفاء) - بِمعنى قيام الكلام أو الجملة على نظْمٍ لا يُحتاجُ فيه - لدلالتِه الخاصة المقصودة - إلى القول بالحذف ولا إلى تقدير مزعومٍ يُطيحُ بتلك الدلالةِ الخاصة ويَمسخها - يشير إلى أنَّ التركيبَ، أو العبارة، أو الكلام، أو الجملة قد تقومُ على كلمةٍ واحدةٍ يُقتَصَرُ عليها مستقلَّةً بنفسِها، أو غير مستقلَّةٍ بنفسِها، بل تؤدي فكرةً تامةً يحسُنُ السكوتُ عليها بضميمةِ السياق، وظرْفِ الكلام فتُسمَّى جملةً اكتفائيةً أو اقتصاريةً، أو جملةً مكتفيةً أو مقتصَرَةً مستقلةً بنفسِها أو سياقيةً، لا تحتاجُ إلى القول بـ (الحذف والتقدير) القائمَين على أسسٍ منطقيةٍ مؤصَدةٍ تَعْدِلُ بالمعنى المُراد، أو المُتوَخَّى بالنظْم وصورتِه إلى ما يُخالفُه ويُقيِّدُه.
لقد صرَّح جماعةٌ من اللغويين والنحويين بأنَّ الجملةَ العربيةَ قد تقومُ على كلمةٍ واحدةٍ، وهو قولٌ جديرٌ بالالتزامِ - وسيأتي مصداقُه، إن شاء الله، في قابل الفصل- ينأى بنا عن التمسُّكِ بالقول بـ (الحذف والتقدير) ، فثمة استعمالاتٌ لغويةٌ تقتضي أنْ يقومَ الكلامُ، أو الجملةُ على جزءٍ (كلمةٍ) في استعمالٍ بعينِه، وعلى أكثرَ من (كلمةٍ) في استعمالٍ آخر بعينِه أيضًا، على أنْ يكونَ السياقُ وظروفُ المقالِ كفيلين بهذا الاكتفاء في معظم صوره.
فالجملةُ التي قد تقومُ على كلمةٍ واحدةٍ فقط - وهي من الغلبة بمكان قد ضمَّت الكلامَ والتركيب - مثلُ: (صَه) ، و (تعال) ، و (الصدْقَ) ، والتي قد تقوم على أكثرَ من كلمةٍ، ولكنها في عداد الكلمة الواحدة، نحوُ: (بسم الله) ، و (أهلًا وسهلًا) ، و (ضرْبًا المسيءَ) ، قد أدَّت فكرةً تامةً كاملةً حَسُن السكوتُ عليها، وبالتالي فهي قدِ اكتفت بما هي عليه، ولم تحتَجْ إلى تقديرٍ لكلماتٍ مزعومةٍ تَحُطُّ بروعةِ النظم.
(1) نحو القرآن48.
(2) نحو المعاني67.