وأما الاكتفاءُ فقد تناوله النحويون وهم يُريدون به الاقتصار على ما يُذكر من كلامٍ دونما حاجةٍ إلى سواه، أو بعبارةٍ أخرى: إنَّ الاكتفاء ينفي التقدير، فـ (( كلُّ مقتَصَرٍ عليه كافٍ ) ) [1] .
ومن مصاديق استعمالِهم (الاكتفاء) بِهذا المعنى قولُ سيبويه: (( تقولُ:(ليت زيدًا وهندًا قائمةٌ) . فاكتُفِيَ بخبرِِ (هندٍ) الذي هو (قائمةٌ) عن (قائمٌ) ، كما يُكتفَى بخبر الأول عن الثاني في قولِك: (زيدٌ منطلقٌ وعمرٌو ) )) [2] . وقولُ الفراء في قولِه تعالى: [وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ] [هود/41] : (( إنْ شئتَ جعلْتَ(بسم الله) ابتداءً مكتفيًا بنفسِه، كقولِ القائل عند الذبيحة، أو عند ابتداءِ المأكل وشبهِه: (بسم الله ) )) [3] .
ولعلَّ في قول الفراء: (مكتفيًا بنفسِه) دليلًا قاطعًا على أنَّ (الاكتفاء) ينفي التقديرَ، أو القولَ بالتقدير.
ومن هذه الصور - على سبيل المثال - قولُ ابنُ فارس: (( ومن سَنن العرب الكَفُّ، وهو أنْ تكُفَّ عن ذِكْرِ الخبر اكتفاءً بما يدلُّ عليه الكلامُ، كقولِه [4] :
إذا قلتُ سيروا نحوَ ليلى لعلها ... جرى دونَ ليلَى مائلُ القَرْنِ أعضَبُ
تَرَكَ خبرَ (لعلها ) ) ) [5] .
وقد أشار الدكتور أحمد عبد الستار الجواري إلى أثر (الاكتفاء) في اتساع الدلالة وعدم تضييقها بالتزام القول بـ (الحذف والتقدير) ، بقولِه: (( وكثيرًا ما يجري التعبيرُ القرآنيُّ على صورٍ من الإيجازِ والاكتفاءِ لا تُحيطُ بها قواعدُ النحو، مثلُ الاكتفاء من الجملةِ الفعلية أو الاسمية بجارٍّ ومجرورٍ، كقولِه تعالى ...: [إِنْ أَحْسَنتُمْ [أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ] وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلها] [الإسراء/7] [ومثلُ الاكتفاءِ من جملةِ جواب الشرط بالحال، كقولِه تعالى:] [فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا] [البقرة/239] ، فقدِ
(1) شرح نهج البلاغة361:19. وينظر: غرر الحكم ودرر الكلم، عبدالواحد بن محمد التميمي398.
(2) الكتاب284:1 (ط/ د. عبدالسلام هارون) .
(3) معاني القرآن14:2. وينظر: متن الهامش (4) في الصحيفة (153) من هذا البحث.
(4) البيت مجهول القائل.
(5) المزهر338:1. وينظر: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني، تح: محمد محيي الدين عبدالحميد250:1. ونحو المعاني، د. أحمد عبدالستار الجواري67.