الصفحة 67 من 197

ومما وُجِّهَ من صورِ الحذفِ في القرآنِ الكريم على أنَّ تحقيرَ المسمَّى يقتضي عدمَ ذِكْرِه في النصِّ، أي أَنه يُصانُ عنِ الذكرِ تحقيرًا له، فيحذف لهذا السبب، قولُه تعالى: [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ] [البقرة/18و171] ، فتقديرُ النصِّ - عندَ القائلين بالحذف فيه للتحقير - هو: (هُمْ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، أوِ المنافقون صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) [1] .

والراجحُ أنَّ الاكتفاء بـ [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ] - وهو خبر مطلق لم يُقيَّد لمبتدأ بعينِه - يدلُّ - بلا أدنى ريبٍ - على أنَّ مَنْ يوصَفُ بهذا الوصفِ ليس هو معقدُ الكلامِ، بل الوصفُ فقط هو المرادُ. فاكتُفي - في النصِّ - بهذا الوصفِ فقط، دونَ ما يُكنَّى به، مما لا يُرادُ، وهو الضميرُ (هم) ، أو أنْ يُصرَّحَ بالاسمِ الظاهر: (المنافقون) كما قُدِّر، ولأنَّ تحقيرَهم يقتضي تجريدَهم من آدميَّتِهم وجعلَهم - تشبيهًا - كالحجارةِ أوِ الجماداتِ التي لا تسمع ولا تنطق ولا تُبصر، فقد جاء نظمُ النصِّ مطابقًا تمامًا لهذه الدلالةِ السامية. أي: اكتُفِيَ بذكْر ما يصورُهم بالجماداتِ، واللهُ أعلم.

قال البيضاويُّ في تفسير قولِه تعالى: [آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ] [البقرة/13] : (((اللامُ) في (الناس) للجنسِ، والمرادُ به الكاملونَ في الإنسانية، العاملون بقضيةِ العقل، فإنَّ اسمَ الجنسِ كما يُستعملُ لمسمَّاه مطلقًا، يُستعملُ لما يَستَجْمِعُ المعاني المخصوصةِ به، والمقصودةُ منه. ولذلك يُسلبُ عن غيرِه، فيُقال: (زيدٌ ليس بإنسان) ، ومن هذا البابِ قولُه تعالى: [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ] [البقرة/18و171] )) [2] .

ولأنَّ التحقيرَ الذي يقتضي ذمَّ (المقصودِ بالذمِّ) قد لا يُرادُ منه سلخُ صفةِ الآدميةِ عنِ المذمومِ وجعلُه كالجمادات، بل يُرادُ منه بيانُ حالِ هذا المذمومِ، فإنَّ ما ادُّعِيَ أنه يُحذف - تحقيرًا - للمقصودِ بالذمِّ، يكونُ مذكورًا في مثلِ هذا الضرب من التحقير، ومنه قولُه تعالى: [إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا] [الفرقان/44] ، فتشبيهُهم بالأنعام، وأنَّهم أضلُّ منها إنْ هو إلا تحقيرٌ وذمٌّ كبير

(1) ينظر: تفسير القرطبي258:1. وفتح القدير:259:1. والإتقان 154:2.

(2) تفسير البيضاوي171:1. وينظر: تفسير الطبري129:6. واجتماع الجيوش الإسلامية، محمد بن قيِّم الجوزية24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت