ومما وُجِّهَ من صورِ الحذفِ في القرآنِ الكريم على أنَّ تحقيرَ المسمَّى يقتضي عدمَ ذِكْرِه في النصِّ، أي أَنه يُصانُ عنِ الذكرِ تحقيرًا له، فيحذف لهذا السبب، قولُه تعالى: [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ] [البقرة/18و171] ، فتقديرُ النصِّ - عندَ القائلين بالحذف فيه للتحقير - هو: (هُمْ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، أوِ المنافقون صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) [1] .
والراجحُ أنَّ الاكتفاء بـ [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ] - وهو خبر مطلق لم يُقيَّد لمبتدأ بعينِه - يدلُّ - بلا أدنى ريبٍ - على أنَّ مَنْ يوصَفُ بهذا الوصفِ ليس هو معقدُ الكلامِ، بل الوصفُ فقط هو المرادُ. فاكتُفي - في النصِّ - بهذا الوصفِ فقط، دونَ ما يُكنَّى به، مما لا يُرادُ، وهو الضميرُ (هم) ، أو أنْ يُصرَّحَ بالاسمِ الظاهر: (المنافقون) كما قُدِّر، ولأنَّ تحقيرَهم يقتضي تجريدَهم من آدميَّتِهم وجعلَهم - تشبيهًا - كالحجارةِ أوِ الجماداتِ التي لا تسمع ولا تنطق ولا تُبصر، فقد جاء نظمُ النصِّ مطابقًا تمامًا لهذه الدلالةِ السامية. أي: اكتُفِيَ بذكْر ما يصورُهم بالجماداتِ، واللهُ أعلم.
قال البيضاويُّ في تفسير قولِه تعالى: [آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ] [البقرة/13] : (((اللامُ) في (الناس) للجنسِ، والمرادُ به الكاملونَ في الإنسانية، العاملون بقضيةِ العقل، فإنَّ اسمَ الجنسِ كما يُستعملُ لمسمَّاه مطلقًا، يُستعملُ لما يَستَجْمِعُ المعاني المخصوصةِ به، والمقصودةُ منه. ولذلك يُسلبُ عن غيرِه، فيُقال: (زيدٌ ليس بإنسان) ، ومن هذا البابِ قولُه تعالى: [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ] [البقرة/18و171] )) [2] .
ولأنَّ التحقيرَ الذي يقتضي ذمَّ (المقصودِ بالذمِّ) قد لا يُرادُ منه سلخُ صفةِ الآدميةِ عنِ المذمومِ وجعلُه كالجمادات، بل يُرادُ منه بيانُ حالِ هذا المذمومِ، فإنَّ ما ادُّعِيَ أنه يُحذف - تحقيرًا - للمقصودِ بالذمِّ، يكونُ مذكورًا في مثلِ هذا الضرب من التحقير، ومنه قولُه تعالى: [إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا] [الفرقان/44] ، فتشبيهُهم بالأنعام، وأنَّهم أضلُّ منها إنْ هو إلا تحقيرٌ وذمٌّ كبير
(1) ينظر: تفسير القرطبي258:1. وفتح القدير:259:1. والإتقان 154:2.
(2) تفسير البيضاوي171:1. وينظر: تفسير الطبري129:6. واجتماع الجيوش الإسلامية، محمد بن قيِّم الجوزية24.