الصفحة 66 من 197

ناسبَ دلالتَها (( فإنه خطابٌ [من الله تعالى] لرسولِه على الخصوصِ، فقد توجَّه الخطابُ إليه في فهمنا، وغاب العبادُ كلُّهم عن علمِ ذلك، فهم غائبون عن شهودِ هذا الخطاب، لا يعلمونه إلاَّ بوساطةِ الرسول ) ) [1] .

4 -التشريف أو التحقير:

ومما ذُكْرَ من دواعي الحذف في القرآنِ الكريم بخاصَّةٍ، أنَّ تشريفَ المُسمَّى وتعظيمَه، أو شرفَه يقتضي عدمَ ذِكْرِه في النصِّ. أي: أَنَّه يُعدَلُ عنِ ذكْرِه تشريفًا له، فيُحذف لذلك.

وجُعِل منه قولُه تعالى: [قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ] [الشعراء/23 - 28] .

قال السيوطيُّ: (( حُذِفَ فيها المبتدأُ في ثلاثةِ مواضعَ، قبلَ ذِكْرِ الربِّ. أي:(هو رَبُّ، اللهُ ربُّكم اللهُ ربُّ المشرق) لأنَّ موسى استعظم حالَ فرعون وإقدامَه على السؤال فأضمر اسمَ اللهِ تعظيمًا وتفخيمًا )) [2] .

والواضحُ من سؤالِ فرعونَ بـ (ما) ، وليس بـ (مَنْ) أنه لم يكن في قلبِه ذرَّةٌ من إيمانٍ باللهِ تعالى ولا بأنه خالقُ الأكوانِ وما فيها، فهو لم يسأل عن ذاتِ ربِّ العالمين، بل سأل - كبْرًا وتجبُّرًا واستعلاءً واستهزاءً وإنكارًا - بـ (ما) ، وهي أداةُ سؤالٍ عن غير العالمِ، فبما أنَّ السؤالَ لم يكن بـ (مَنْ) وهو عن العالِم، لم يَرِدْ في الجوابِ إشارةٌ إليه، ولذا جاء الجوابُ مطابقًا للسؤال [3] ، ومكتفيًا بما أراد السائلُ حصرًا، بيانًا لِكِبْرِه واستعلائِه وجبروتِه وإنكارِه. ولا وجهَ للقولِ بأنَّّ النبيَّ موسى (عليه السلامُ) استعظم حالَ فرعونَ وإقدامَه على السؤالِ فأضمر اسمَ الله تعالى تعظيمًا، وتفخيمًا، أوليس في ذِكْرِ اسمِه تعالى - لو كان سؤال فرعونَ يقتضي ذلك - أشدُّ صُوَرِ التعظيمِ والتفخيمِ والردْعِ والإفحامِ والغلَبة؟.

(1) البرهان405:1.

(2) الإتقان 154:2. وينظر: البرهان 183:3.

(3) ينظر: الصحيفة (42) من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت