الصفحة 64 من 197

وثمة كلماتٌ في القرآنِ الكريم وردتْ على هيئاتٍ مقصودةٍ من الاكتفاءِ، ليست كمثيلاتِها في مواضعَ قرآنيةٍ أُخرى - وهي ليست برؤوسِ آيٍ. أي: لم يكن هذا الاكتفاءُ بسبب رعايةِ الفاصلةِ، بل جاء لدلالةٍ مقصودةٍ مرادة، كقولِه تعالى: [مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ] [الإسراء/97] و [الكهف/17] وقولِه تعالى: [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ] [النور/31] ، وقولِه تعالى: [وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي] [الكهف/24] ، وقولِه تعالى: [أَلاَّ تَتَّبِعَنِ] [طه/93] .

فهذه الكلماتُ كلُّها قد وردت لدلالاتٍ مقصودةٍ، لم تكن إلاَّ بالاكتفاءِ بِهيأة كلٍّ منها. ففي قولِه تعالى: [مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ] [الإسراء/97] قد ناسب نظمُ كلمةِ (المهْتَدِ) دلالتَها، فاللهُ سبحانه بيدِه الهدايةُ وحدَه، ومَنْ هداهُ أو رحِمَه بِها بِهدايتِه فهو - بلا أدنى ريبٍ - مهتدٍ، ولا يشوبُ هدايتَه هذه شائبةٌ، بل هي هدايةٌ تتحقق بلمْحِ البصر، أو اقرب، وسرعةُ تحققِ الهدايةِ من الله تعالى عند مَنْ يُنعِمُ عليه بِها جليةٌ من هيأة الكلمةِ (المهتدِ) ، وتآلفِ حروفِها. لذا ناسب نظمُها دلالتَها، واللهُ أعلم.

وكذلك قولُه تعالى: [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفلِحُونَ] [النور/31] ، فقد ناسب نظمُ الكلمةِ (أيُّهَ) دلالتَها في سياقِها، وهي واسطةٌ لنداءِ (المؤمنون) ، فقد وردت في سياقِ الأمر: [تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا] مما يقتضي سرعةَ هذه التوبةِ والإسراعَ بِها، بل حث النفسِ على سلوكِ سُبُلِها، وعدمَ التأنِّي في إيقاعِها وتحقيقِها، ولمَّا كانت كلمةُ (أيُّهَ) واسطةً لنداءِ ما فيه (أل) فقدِ وردت على هذه الهيأة، هي وحدَها بخاصَّةٍ دون غيرِها في المواضع الأخرى التي وردت فيها (أيُّها) في القرآنِ الكريمِ، نحو قولِه تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ] [المائدة/1] ، و قولِه تعالى: [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا] [الأعراف/158] ، و قولِه تعالى: [وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ] [يس/59] ، و قولِه تعالى: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ] [المائدة/67] وقولِه تعالى: [يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ] [الانفطار/6] . لقد وردت على هذه الهيأةِ الخاصة إشارةً إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت