الصفحة 63 من 197

ربِّه تعالى - بدليل قولِه تعالى: [وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى] [الضحى/7] (( معناه: وجدناك في قومٍ لا يعرفونَ نبوَّتَكَ فهديناهم بك ) ) [1] . فقولُه تعالى: [وَوَجَدَكَ ضَالاًّ] قد يكونُ من باب (الخاصِّ والعامِّ في القرآن) ، ففيه (( آياتٌ لفظُها الخصوصُ والعمومُ، ومنه آياتٌ لفظُها لفظُ الخاصِّ ومعناه عامٌّ ومن ذلك لفظٌ عامٌّ يريدُ به الله تعالى العمومَ، وكذلك الخاصُّ أيضًا ) ) [2] . بِمعنى أنَّ (الإيجاد والضلال والهدى) قد يُرادُ به الأمةُ، لا النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واللهُ أعلمُ بمراده.

إنَّ هذا المفعولَ المزعومَ حذفُه وتقديرُه، وهو (كاف) الخطاب لم يُرَد إلى ذكْرِه، ولا إلى تقديره. قال الدكتور سعد أبو الرضا: (( وكأني بهذه الصياغةِ تأبَى أيَّ ربْطٍ بين هذا الفعْلِ الدالِّ على البُغضِ والكراهيَةِ، وبين الرسول الكريم، حتى ولو كان هذا الفعلُ منفيًّا، وذلك إجلالًا للرسول الكريم ورعايةً له وطمأَنةً لِمشاعرِه، وبثًّا لليقينِ في نفسِه. ولذلك لم تقلِ الآيةُ:(وما قلاك ) )) [3] .

ومما جُعِلَ فيه حذفٌ بسببِ رعايةِ الفاصلةِ قولُه تعالى: [وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ] [البقرة/40] و [النحل/51] . قال القرطبيُّ: (( سقطت(الياءُ) بعد النون لأنَّها رأسُ آيةٍ )) [4] . وقد جاء قبلَها من رؤوس الآي: (يحزنون) ، و (خالدون) ، وبعدها من رؤوس الآي أيضًا: (فاتقون) و (تعلمون) .

والراجحُ أنَّ نظمَ الجملةِ قد ناسبَ نظمَ ما اكتنفها من كلامٍ، إذ تقدَّمَ ذِكْرُ المرهوبِ منه، وهو اللهُ تعالى بكلمةِ (إيَّايَ) ، وهي كلمةٌ وقعتْ مفعولًا به واجبَ التقديم في نظم الجملةِ، وفي هذا التقديمِ من الدلالاتِ الشيءُ الكثيرُ الذي لا يمكن بيانُه أو لمحُه بغير هذا التقديمِ، فقدِ انحصرتِ الرهبةُ في كونِها من الله تعالى لا غير، وأنَّ انتباهَ القارئَ أو السامعَ قد وُجِّهَ إليه تعالى لا إلى سواه. وهذا كلُّه يستدعي مجيءَ (فَارْهَبُونِ) على هذه الصورة، واللهُ أعلم.

ومن الواضحِ أنَّ (( الألفاظَ القرآنيةَ تأخذُ مكأنَّها اللائقَ بِها، بحيثُ لو أُجرِيَ أيُّ تبديلٍ على أمكنتِها لاختلَّ النظمُ، ولما عاد له ذلك السبْكُ والرونَقُ الذي كان عليه من قبلُ ) ) [5] .

(1) بحار الأنوار208:5.

(2) الآيات الناسخة 86.

(3) في البنية والدلالة 131.

(4) تفسير القرطبي 332:1. وينظر: التبيان في إعراب القرآن 33:1. والتبيان في تفسير غريب القرآن، شهاب الدين الهائم المصري، تح: د. فتحي الدابولي 80:1.

(5) الطبيعة في القرآن الكريم، د. كاصد ياسر الزيدي 484.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت