وهو ما يُعرَفُ - أيضًا - بِمراعاةِ رؤوسِ الآي، وقد جعل منه كلٌّ من الفراء والسكاكيِّ والخطيب القزويني وابنِ حجةَ الحموي والزركشيِّ والسيوطيِّ، قولَه تعالى: [مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى] [الضحى/3] ، بزعْمِ أنَّ في الآيةِ محذوفًا هو (كاف) المخاطَب، والتقدير: (وما قلاكَ) [1] . وقد (حُذِفَ) هذا الضميرُ - وهو كنايةٌ عن المفعول به، يعود على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) - مراعاةً لرؤوسِ الآي المنتهيةِ بالألف في: (الضحى) ، و (سجى) ... و (الأولى) ، و (ترضى) ، و (آوَى) ، و (هذى) و (أغنى) [2] ، كما زُعم.
والراجحُ أنَّ هذا التوجيهَ يصرِفُ النصَّ عن دلالتِه الباطنة المتجليةِ من نظمِه - واللهُ أعلمُ- فإذا كان الفعلُ (ودَّعَ) منفيًّا وقوعُه من الله تعالى على رسولِه الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بخاصَّةٍ، بدليلِ الضمير (الكاف) العائد عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإنَّ الفعلَ (قلَى) ليس كذلك - واللهُ أعلمُ بمراده - لأنَّ نفيَ وقوعِه من الله تعالى - هنا- ليس مخصّصًا لشخصِ النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل لغيره من سائر الخلائقِ، بدليلِ عمومِه وعدمِ خصوصِه بمفعولٍ مذكورٍ مُشارٍ إليه. ومعلومٌ أنَّ المفعولَ يُترَكُ ذكْرُه، أو يُكتَفَى عنه إذا لم يُرَد مفعولٌ مخصوصٌ بعينِه، أو إذا أُريدَ العمومُ والاتساعُ والشمولُ والإطلاقُ لا التقييدُ، وهذا ما يتجلَّى من نظمِ النصِّ الكريم، فالفائدةُ من الاكتفاءِ بلفظِ الفعلِ منفيًّا أي: (وما قلى) يفيدُ (( الإطلاقَ. أي: أنه ما قلاكَ، ولا قلى أحدًا من أصحابِك، ولا أحدًا ممن أحبَّك إلى يومِ القيامة ) ) [3] .
إنَّ للفاصلةِ القرآنيةِ شأنًا ودورًا - لا ريبَ فيه - في إعجازِ النظمِ القرآني. ونِهايةُ الآيةِ أوِ العبارةِ مرتبطةٌ بدلالةِ النصِّ. فادِّعاءُ التقديرِ فيها يُغيِّرُ - قصْدًا - هذه الدلالةَ المتجليةَ من اكتفاءِ نظمِ الكلمةِ أو الجملة.
ومن جهةٍ أخرى فإنَّ آياتِ سورة الضحى المباركةِ ليست هي كلُّها موجهةً بالتخصيص إلى شخصِ الرسولِ الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) - وإنْ كان معظمُها قد ورد بضميره، وهو مخاطَبٌ من قِبَلِ
(1) ينظر: معاني القرآن، الفراء3: 273 - 274. ومفتاح العلوم100. والإيضاح في علوم البلاغة64. وثمرات الأوراق، تح: محمد أبو الفضل ابراهيم414. والبرهان167:3. والإتقان155:2.
(2) ينظر في مثيلات ما حُمِل على (رعاية الفاصلة) - مما قيل بالحذف فيه: فقه اللغة وسر العربية 333 و339. والأمالي الشجرية 323:1.
(3) التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) 210:31. وينظر: المستوى النحوي في بصائر ذوي التمييز331.