الصفحة 60 من 197

بالمنادَى - فهو من جنسِ النداء بالاسمِ المنادَى فقط، كما ذكرتُ [1] - تصويرٌ لخطَر الأمر الذي حلَّ بالعزيز حصرًا، وتجسيدٌ للرهبةِ التي حلَّت به والضِّيق والإحراجِ والكَلْمِ الذي تعرَّض له، حتى صار يُخاطبُ النبيَّ يوسفَ (عليه السلام) خفيةً أو همسًا بأُذُنِه لقبْح فِعْلِ زوجِِه بالنبي يوسف (عليه السلام) . وهذا كلُّه يتجلَّى من هذه الآيةِ ومما تلاها في قولِه تعالى عنِ العزيز مخاطبًا زوجَه: [وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِينَ] [يوسف/29] ، وهو خطابٌ ظهرت فيه الحقيقةُ على لسانِ العزيز نفسِه، إذ أدانَ زوجَه وبرَّأَ ساحةَ النبيِّ يوسف (عليه السلام) . وفي هذا الكشف ما فيه من إذلالٍ للعزيزِ نفسِه. أما لو أننا أخذنا بالزعْمِ القائلِ بتقدير (يا) المحذوفة تخفيفًا فإنَّ النداء عندها لا يكون بالصورةِ نفسِها التي تتجلَّى من النداء المقتصِرِ على المنادَى فقط، واللهُ أعلم.

إنَّ مِما توهَّمه البعضُ من حذفٍ بسبب (التخفيف) - في الحروف بخاصَّةٍ [2] - إنَّما هو اكتفاءٌ بصورةِ الكلمة كما هي في النصِّ لدلالةٍ مقصودةٍ، ولولا هذا الاكتفاءُ لما برزت تلك الدلالةُ. فمن ذلك ما نبَّه عليه الزرقانيُّ من سِرٍّ في مجيءِ الفعل (يدعُ) في قولِه تعالى: [وَيَدْعُ الإنسَانُ بالشَّرِّ دُعاءَه بالخَيْرِ] [الإسراء/11] على هذه الصورةِ، إذ قال: (( [فيه] دَلالةٌ على أنَّ هذا الدعاءَ سهْلٌ على الإنسانِ يُسارعُ فيه كما يُسارعُ إلى الخيرِ، بل إثباتُ الشَّرِّ إليه من جهةِ ذاتِه أقربُ إليه من الخير [3] . وذكرَ أنَّ السرَّ في مجيءِ الفعلِ(يَمْحُ) على هذه الصورةِ في قولِه تعالى: [وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ] [الشورى/24] هو (( الإشارةُ إلى سرعةِ ذهابِه واضمحلالِه ) ) [4] . وانَّ السرَّ في مجيءِ الفعلِ (سندْعُ) في قولِه تعالى: [سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ] [العلق/18] على هذه الصورةِ إنَّما هو (( الإشارةُ إلى سرعةِ الفعْلِ وإجابةِ الزبانية وقوة البطش ) ) [5] .

وقد قيل في مجيءِ هذه الأفعالِ - وأمثالِها - على هذه الصور رأيان، هما:

(1) ينظر: متن الهامش (1) في الصحيفة (36) من هذا البحث.

(2) سواءٌ أكان الحرفُ حرفَ معنى أم حرفَ مبنى.

(3) مناهل العرفان 259:1.

(4) نفسه.

(5) نفسه. وينظر: البرهان398:1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت