والعنايةِ بِهما، ولفْتِ النظر إلى معجزة (الناقة) وأنَّها فتنةٌ لهم، وإلى (سُقْياها) وأنه مناطُ العِلَّةِ والاختبارُ الكبيرُ، دونما ذِكْرٍ لما يُرادُ منهم تجاه كلٍّ من (الناقة) و (السُّقْيا) ، إبعادًا عنِ الاهتمام بالحدَث دون مَنْ يتعلَّقُ به الحدث. وإشغالًا للذهن بالآية عن سواها. فما أبلَغَهُ مِنْ أمرٍ متحصَّلٍ، وتوجيهٍ موجِبٍ ملزمٍ واقعٍ من نَصْب (ناقةَ) وعطْفِ (سُقْياها) عليها، دونما حاجةٍ إلى الفعلِ المزعوم في كلٍّ منهما كما قال المقدِّرون تفسيرًا لهذه الفتحةِ التي وَقَرَ في أذهانِهم أنه لابدَّ لها من مُسبِّبٍ، لو عَدِمَ لعَدِمَت هي وبما أنَّها موجودةٌ ظاهرةٌ، وهذا المسبِّبُ ليس كذلك، فلابدَّ من تقديره!!
فسببُ القولِ بـ (الحذف والتقدير) - هنا - هو لأجل الفتحة وتسويغِها ليس إلاَّ، ولو كان الأمرُ غيرَ ذلك، فعلى مَنْ يقولُ بهذا السببِ في هذه الآيةِ وسواها ضابطًا لما يُرَى فيها من حذفٍ، أنْ يتجَشَّمَ عِبْءَ هذا القولِ، وأنْ يأتيَ عليه بالدليل القاطع المقنِعِ على تقاصُرِ زمانِ الإتيان بهذا (المحذوفِ) ، وتفويتِِ المهمِّ فيما لو ذُكِرَ، والله أعلم بمراده. إنَّ الاكتفاءَ بـ (الناقة) و (سقياها) لَهو إيذانٌ بأنَّ كلاًّ منهما هو معقدُ الاهتمام.
2 -التخفيف:
أي أَنَّ كثرةَ دوران الكلمةِ في الكلام يُفضِي إلى حذفِها [1] ، ومن هذا جعلوا قولَه تعالى: [يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا] [يوسف/29] ، وقد مرَّ الحديثُ - مدونًا - عن هذه الآيةِ، وهنا زيادةُ بيانٍ في موضعِها.
الراجحُ أنَّ أسلوبَ النداء يؤدَّى بحرفِ النداءِ - مثل (يا) - أو أنه يؤدَّى بأسلوبٍ وطريقةٍ أخرى يُقتَصَر فيها على المنادَى فقط، ولا ذِكْرَ في الكلام لحرفِ النداء، وإنَّما يكونُ هذا النوعُ من أسلوبَي النداء: (أي: بالحرفِ، وبعدمِه) عندما يكونُ المنادَى قريبًا جدًا من المنادِي، أو عندما يكونُ المنادِي ملاصِقًا للمنادَى، لا حاجةَ به إلى واسطةِ نداءٍ، أو أداةِ نداء.
والكلامُ في هذه الآيةِ الكريمةِ قد وقعَ من العزيز -كما مرَّ في أحد رأيين [2] - وكان واقفًا بين النبيِّ يوسفَ (عليه السلام) وزوجِه (زُلَيْخا) ، وفي مجيء النداء مقتصِرًا على المنادَى نفسِه فقط، أو مكتفيًا
(1) ينظر: فقه اللغة وسر العربية، أبو منصور الثعالبي، تح: مصطفى السقا وآخرين 340 - 341.
(2) ينظر: الصحيفة (36) من هذا البحث.