الصفحة 58 من 197

في دواعي الحذف وأسبابه:

تناولَ اللغويون القول بـ (الحذف) ولاسيَّما في القرآن الكريم بشكلٍ مستفيضٍ، منه ما يتصلُ بأسباب (الحذف) ، وقد رأَوا أنه يقعُ في الكلمة والجملة أو الكلام لواحدٍ من الأسباب الآتية:

1 -ضيق الوقت:

أو (( التنبيهُ على أنَّ الزمانَ يتقاصَرُ عنِ الإتيانِ بالمحذوفِ، وأنَّ الاشتغالَ بذكرِه يُفضِي إلى تفويتِ المهمِّ ) ) [1] ، وجعلوا منه ما يُسمَّى بباب (الإغراء والتحذير) ، واستَشْهَدوا لِهذا السببِ بقولِه تعالى: [نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا] [الشمس/13] ، (( فـ(ناقةَ اللهِ) تحذيرٌ بتقدير: (ذرُوا) و (سقياها) إغراءٌ بتقدير: (الزَمُوا ) )) [2] .

والراجحُ أنَّ هذا سببٌ لا مُسوِّغَ له، فأيُّ زمانٍ هذا الذي يتقاصَرُ أمامَ خالق الأزمان والأكوان كلِّها عنِ الإتيانِ بمحذوفٍ مزعومٍ؟! وأيُّ اشتغالٍ قاهرٍ هذا الذي يؤدِّي إلى تفويت المهمِّ فيما لو ذُكِرَ هذا المزعومُ؟! أوَليس في هذا التسبيب والتوجيه تجاوزٌ على الخالقِ جلَّ وعلا؟!

ولو كان نظمُ الكلام - بِموجب هذا الزعم - بهذا الشكل، أي: (ذرُوا ناقَةَ اللهِ، والزَمُوا سُقْيَاها) ، فهل تتساوى دلالتا النصَّين: الواقعِ، والمزعوم؟ وهل تقاصَرَ الزمانُ وضاعَ المهِمُّ لمَّا قُدِّرَ ما زُعِمَ في هذا النصِّ؟!

إنَّ النصَّ الكريمَ بلفظِه ونظمِه -كما هو في القرآن - قد أدّى الدلالةَ التي سيق لأجلِها فاكتفاءُ الكلام بـ (ناقةَ اللهِ) وبـ (سُقْياها) واقتصارُه عليهما فيه من إبراز شأنِ هذين المذكورَين: (الناقة) و (السُّقْيا) ،

(1) الإتقان 153:2. وينظر: جواهر البلاغة، السيد أحمد الهاشمي بك 153.

(2) الإتقان 153:2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت