[النبأ/29] : (وأحصينا كلَّ شيءٍ أحصيناه كتابا) [1] . وفي سوى هذه النصوص القرآنية الكريمة مِما قيلَ: إنَّ فيه فعلًا محذوفًا يُفسِّره المذكور هو الناصب للمشغول عنه. ولا ريبَ في أنَّه زعمٌ وتقدير يأتي على الدلالةِ المستوحاة من تقديم المفعول به على فعلِه ومن تكرير هذا المفعول بالكناية وما ينطوي عليه هذا التقديم وهذا التكرير من جوانبَ بلاغيةٍ دلاليةٍ مقصودة.
وتجدُرُ الإشارةُ إلى أنَّ كلاًّ من الكسائيِّ والفرَّاءِ قد ذهبَ (( إلى أنَّ الاسمَ المنصوبَ في مثلِ(زيدًا ضربتُه) .... منصوبٌ بالفعل المتأخر، وأنَّ الفعلَ المذكورَ عاملٌ فيه وفي ضميره )) [2] . وقد ذهبَ الدكتور مهدي المخزومي هذا المذهبَ أيضًا، ولكنه أشار إلى أنَّ الضميرَ توكيدٌ لفظيٌّ لا مفعولٌ به للفعل، فقد رأى (( أنَّ الضميرَ لا يصلُحُ أنْ يكونَ مفعولًا، لأنه كنايةٌ عنه وإشارةٌ إليه ) ) [3] . ولا يُعقلُ أنْ يتركَ هذا الضميرُ همْلًا بلا وظيفةٍ نحويةٍ في الجملة.
وأخيرًا: كيف يمكن الجمعُ بين قولِهم: (محذوف غير مرادٍ ومُستغنى عنه، ولو أُظهِرَ لصار عيبًا في الكلام) ، وقولِهم بـ (وجوبِ تقديرِ فعْلٍ ناصبٍِ للمفعولِ به المتقدم، لأنه لا يُوجَدُ منصوبٌ بلا ناصبٍ وما بعدَه قد نَصبَ ضميرًا، ولا يَقوَى هو نفسُه على نصبِ ضميرٍ بعدَه واسمٍ قبلَه يعودُ عليه الضميرُ) ؟!
3 -محذوفٌ غيرُ مرادٍ ومستغنى عنه، ولو أنه أُظهِرَ لتغيَّرَ معنى الكلام. ومثالُه بابُ النداء نحو: (يا زيدُ) ، فالمنادَى عند النحويين مفعولٌ به منصوبٌ أو في محلِّ نصبٍ بفعْلٍ مزعوم تقديرُه: (أَدعو) أو (أُنادي) ، وهو فعلٌ يُفيدُ الإخبارَ، في حين أنَّ الأسلوبَ إنشائيٌّ طلبيٌّ، لذا حلَّت (يا) محلَّ هذا الفعلِ الذي لا يجوزُ إظهارُه، لتحول الكلام إلى إخبار [4] .
ولعلَّ العلةَ في هذا التقدير والقولِ بنيابةِ (يا) منابَ الفعل المقدَّر هو جعْلُ النداء من جنس الجملةِ الفعليةِ، ولإيجاد مسوِّغٍ للعامل في المنادَى في كلِّ أحوالِه، فقد عُدَّ مفعولًا به، والنداءُ في حقيقته -
(1) ينظر: مشكل إعراب القرآن796:2. وتفسير القرطبي 160:19. وفتح القدير 516:5.
(2) في النحو العربي: نقد وتوجيه 54 - 55 ..
(3) في النحو العربي: نقد وتوجيه 54.
(4) لمزيد من الاطلاع ينظر: الجملة العربية 83 - 121.