الصفحة 55 من 197

الذي يقومُ على إعادةِ لفظ المؤكَّد - أي: اللفظِ نفسِه لا كنايةٍ عنه - نحو: (زيدٌ زيدٌ حاضرٌ) . وشَبهُه به أنه يقومُ على إعادةِ لفظ المؤكَّد أيضًا، ولكن بالكناية لا بالتصريح.

قال الدكتور خليل أحمد عمايرة تحت عنوانٍ (الاشتغال من أساليب التوكيد) - بعد ذكرِه إشارةً موجزةً إلى منهج النحويين في ما عُرف عندهم بـ (الاشتغال) : (( وسنعمل على توجيهِه وجهةً لغويةً نعدُّه فيها من أساليب التوكيد التي لا تخرجُ بعيدًا عما أثبتناه في المقدمة السابقة عن توكيد الظاهر بِمضمر ) ) [1] . وقد ذكر في هذه المقدمة نصًّا لابنِ يعيش عن القاعدةِ التي وضعها النحويون في مسألة توكيد الظاهر بِمضمرٍ، هو أنَّ (( المظهرَ لا يؤكَّدُ إلاَّ بظاهرٍ مثلِه، ولا يؤكَّدُ بِمضمرٍ، فلا تقول:(جاءني زيدٌ هو ) )) [2] ، لأنَّ المضمر أخصُّ من الظاهر، فلا يصِحُّ أنْ يكونَ مبيِّنًا له [3] . ولم يرتضِ الدكتور خليل أحمد عمايرة هذه القاعدة، بل ذهب إلى أنَّ (( هذا أمرٌ معياريٌّ لا تُقرُّه اللغة بل تسيرُ على خلافِه ) ) [4] ، وخلُص إلى أنَّ (( الضمير في حقيقةِ أمره هو الاسمُ من حيثُ الدلالةُ، ويعودُ عليه، وما كان الضميرُ في مثلِ هذه الجملة إلاَّ ليؤكِّدَ الاسمَ المتقدِّمَ توكيدًا لفظيًّا ) ) [5] . فالظاهرُ يؤكَّدُ بالمضمر، ولا مانعَ من ذلك.

إنَّ التزامَ القولِ بفكرةِ (الاشتغال) لا تُوحي لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ بتوكيد الكلام، ولا تُبرِزُ العنايةَ بالمتقدِّمِ، لأنَّها تجعَلُ منه متأخِّرًا، وفي موضعِه الطبيعيِّ الاعتياديِّ الخالي من أيِّ توكيدٍ بعد تقدير فعلٍ قبلَه. فقد قُدِّر في قولِه تعالى: [وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا] [الحديد/27] : (وابتدعوا رَهْبانيَّةً ابتدعوها) [6] ، وفي قولِه تعالى: [وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا .... وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا] [النازعات/30و32] : (ودحا الأرض بعد ذلك دحاها .... وأرسى الجبال أرساها) [7] ، وفي قولِه تعالى: [وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا]

(1) في التحليل اللغوي260.

(2) شرح المفصل42:3.

(3) ينظر: المصدر السابق.

(4) في التحليل اللغوي254.

(5) نفسه.

(6) ينظر: زاد المسير 176:8. وتفسير البيضاوي304:1. وفتح القدير252:5.

(7) ينظر: مشكل إعراب القرآن799:2. وتفسير القرطبي 179:19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت