مكان وجوده أصلًا. ولا يمكن عدُّ (في الدار) جملةً إلاَّ بضميمةِ السياقِ فهي - مجردةً عن سياقِها - لغْوٌ.
قال برجستراسر: (( أما الاستفهامُ فهو جنسان في كلِّ اللغات: استفهامٌ عن كلمةٍ، واستفهامٌ عن جملةٍ. وجوابُ الأول: كلمةٌ، وجوابُ الثاني: نعم أو لا. فإني إذا استفهمتُ:(متى جئتَ؟) ، ودللتُ بذلك على أنَّ مجيءَ المُخاطَب [المسؤول] معروفٌ، ولا أجهلُ إلاَّ وقتَ مجيئِه، فيكفي في الجواب ذِكْرُ الوقتِ بـ (أمسِ) أو مثلِ ذلك. فالسؤالُ - هنا - بكلمةٍ، وهي: (متى) في مثالنا، وهي من ظروفِ الاستفهام، وأسماءُ الاستفهام كـ (مَنْ) و (ما) تفي بهذه الوظيفةِ أيضًا. والجوابُ كذلك بكلمةٍ أو ما يقومُ مقامها )) [1] .
لذا فالجوابُ (في الدار) لا حذفَ فيه - ليس مجرَّدًا، بل بضميمةِ السياق - وقد قام على ما يُكتفَى به ويُقتَصَرُ عليه، وسيأتي مزيدُ بيانٍ وتحليلٍ عن مثلِ هذا الاكتفاءِ في الجملةِ في قابلِ البحث.
2 -محذوفٌ غيرُ مرادٍ، ومستغنًى عنه، ولو أنه أُظهِرَ لصار عيبًا في الكلامِ، ومثالُه (باب الاشتغال) عند النحويين القائلين به [2] . نحو: (زيدًا ضربْتُه) ، بتقدير: (ضربتُ زيدًا ضربْتُه) .
إنَّ كلَّ جزءٍ من أجزاءِ الجملةِ يُقدَّمُ على موضعِه الطبيعيِّ الاعتياديِّ يكونُ قد أُحيطَ بالعنايةِ والاهتمامِ، ويكونُ غايةً في الذكْرِ من بين أجزاءِ تلك الجملة. فـ (زيدًا) في الجملةِ المذكورة إنَّما قُدِّمَ اهتمامًا وعنايةً به، ولأنَّه صار محطَّ الذكرِ والحديثِ ولَفْتِ النظر، وهو منصوبٌ لأنه مفعولٌ به سبقَ فِعْلَه - لغويًّا ونظمًا ولمعنىً وغايةٍ مقصودةٍ - ولمَّا كان الكلامُ على هذه الصورةِ من الأهميةِ في هذه الجملةِ أُعيدَ ذِكْرُ (زيد) وهو المفعولُ به المضروبُ المُهْتَمُّ بذكرِه، ولكنه في هذه الإعادةِ ذُكِرَ بصيغةِ الضمير المكنى به عن (زيد) ، حتى صار للجملةِ بهذا التكريرِ وهذه الإعادةِ توكيدًا لا يختلفُ قوةً ودلالةً عن طُرِقِ توكيد (الجملةِ) الأخرى المعروفة. وهذا النوعُ من التوكيد أشبهُ بالتوكيد اللفظي في الجملةِ العربيةِ
(1) التطور النحوي للغة العربية 165. وينظر بالرؤيةِ نفسِها: في نحو اللغة وتراكيبِها، د. خليل أحمد عمايرة 134 - 135.
(2) ينظر: الكتاب 1: 41 - 43 و45 - 55 و64 - 75. وشرح الوافية نظم الكافية، ابن الحاجب، تح: د. موسى بنَّاي العليلي 205 - 212. وشرح ابن عقيل456:1. وشرح التصريح على التوضيح، الشيخ خالد الأزهري 296:1. وهمع الَهوامع، السيوطي، تصحيح: بدر الدين النعساني 111:2.