المحذوفات في العربية:
لم أبغِ من إيرادِ هذا الموضوعِ - هنا - إلاَّ الإشارةَ إلى ما زعمه النحويون مما يُسمَّى بـ (المحذوفات) في الجملة العربية أو التركيب، وبيانَ رؤيتِهم فيها في ضوءِ ذكْرِها وإظهارِها، أو عدم ذلك من ناحية الجوازِ والوجوب.
ولقد أشرتُ سابقًا إلى أنَّ الكتبَ والمصنفاتِ النحويةَ قد تناولت مسألتَي (الحذف والتقدير) بالدراسةِ تأييدًا أو رفضًا، بتفاصيلَ كثيرةٍ ومتشعِّبةٍ جدًّا، حتى إنَّ القارئَ ليَضِلُّ السبيلَ وهو في دوَامةِ الآراءِ المتباينةِ ووجهاتِ النظرِ المختلفةِ في شأنِ ما يُزعَمُ أنه محذوفٌ وأنَّ تقديرَه (كذا) ، أو أنَّ (المحذوفَ) ليس (كذا) بل (كذا) وتقديرُه (كذا) وهلمَّ جرًّا. لذا سأكتفي بالإشارةِ إلى ما استقراه بعضُ النحويين فيما عُرِفَ بـ (المحذوفات) في العربية [1] ، وهي:
1 -محذوفٌ مُرادٌ، يحتاجُ إليه الكلام، أو يقتضيه السياق، حُذِفَ لعِلم المخاطَب به، وللمتكلم الخيارُ في إظهاره أو ترْكِه، ومنه جوابُ السؤال، نحو: (في الدار) جوابًا عن السؤال: (أينَ زيدٌ؟) مثلًا.
وليت شعري كيف يمكن الجمعُ بين قولِهم: (محذوف) ، وقولِهم: (مُرادٌ يحتاجُ إليه الكلام) ؟ وإذا كان الكلامُ هو القولُ المفيدُ الذي يحسُن السكوتُ عليه، فهل يجوزُ جَعْلُ ما لم يُلفظُ به ولم يكن مما قيل، كلامًا؟!
إنَّ السائلَ في قولِه: (أينَ زيدٌ؟) إنَّما غايتُه ومرادُه هو معرفةُ مكان (زيد) بدليل سؤالِه بـ (أين) وتقديمِه اسمَ السؤال. أمَّا (زيد) فإنه - أي: السائل - على معرفةٍ به وبكينونتِه العامة. فسؤالُه مُنصَبٌّ على مكان وجود (زيد) حصرًا، وإرادةِ معرفتِه، لا على (زيد) نفسِه. لذا جاء الجوابُ على قدْر السؤال، لا زيادةَ فيه ولا نقصانَ، فبما أنَّ الغايةَ هي ما يُرادُ بـ (أين) ، جاء الجوابُ مقتَصَرًا على ما يُقابلُ (أين) ، وهو (في الدار) ، ولا حاجةَ للكلام بـ (زيد) لأنه معلومٌ معروف، ولولا أنه معلومٌ معروف لم يُسألْ عن
(1) ينظر: أخبار أبي القاسم الزجاجي، أبو القاسم الزجاجي، تح: د. عبدالحسين المبارك 218 - 219. والأمالي الشجرية358:1. والرد على النحاة، ابن مضاء القرطبي، تح: د. شوقي ضيف 88 - 90. ومغني اللبيب2: 603 - 605.