أما (فرس الرسول) فهو جسمٌ آخرُ، وروحٌ أخرى، ولا يُعقَل أو يُقبَل أن يُقبضَ شيءٌ من أثر جسمٍ ثم يُفعلَ به السحرُ أو غيرُه، ليتأثرَ به جسمٌ آخرُ، فالأثرُ المقبوضُ من أثر حافر فرس الرسول لا يعني شيئًا للرسول نفسِه. لذا فزَعْمُ الحذف هنا، وادِّعاءُ هذا المقدَّر يُبعد النصَّ الكريمَ عن دلالته التي نُظِم وسيق لها ما دام الساحرُ يهدفُ من سحرِه إلى التأثير في الرسولِ نفسِه، لا في فرسِه.
وقد تناولَ القرطبيُّ - بهذا المذهب من القولِ بحذف الاختزال - قولَه تعالى: [فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى] [النجم/9] ، مقدِّرًا محذوفًا مختزلًا بقولِه: (( فإنْ قلتَ: كيف تقديرُ قولِه: [فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ] ؟ قلتُ:(فكانَ مِقدارُ مسافةِ قُربِهِ مِثْلَ قابَ قوسَين ) )) [1] . وبِمثلِه قال السيوطيُّ الذي أدرج هذا الحذفَ المدَّعى تحت عنوانِ: (حذف ثلاث متضايفات) [2] .
والراجحُ أنَّ الآيةَ الكريمةَ تصوِّرُ - فيما تدلُّ عليه - مكانةَ النبيِّ محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الله تعالى، وهي مكانةٌ لم يحظَ بِها أو يُدركها أحدٌ من الأولين والآخرين. فقربُه المعنويُّ المقدَّسُ من الله تعالى، وسموُّه، ورفعتُه على مَنْ سواه من الخلقِ أجمعين هو غايةُ التصوير في هذه الآية، والله أعلم. أما تقديرُ ما قُدِّر وزُعِمَ فيها فإنه يعدِلُ بهذه الدلالةِ الجليلة الجليَّة من النصِّ إلى دلالةٍ ماديةٍ حسيةٍ بدليل تقديره كلمة (مقدار) و (مسافة) ، فهما كلمتان ماديتان تجعلان من المكان المتصوَّر الذي فيه رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خاليًا منه تعالى سبحانه عن ذلك - لا قصدًا وعمدًا فالقرطبيُّ أجلُّ من هذا المذهب - وهذا واضح من قوله: (فكان مِقدارُ مسافةِ قُربِه مِثْلَ قاب قوسَين) ، فمقدارُ هذه المسافةِ يُوحِي ويُشعِرُ بأنه سبحانه وتعالى قد خلا منه هذا المكانُ، في حين أننا أينما نولِّي [فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ] [البقرة/115] وأنه تعالى: (( لم يَحْلُلْ في الأشياءِ فيُقالَ: هو فيها كائنٌ، ولم ينأَ عنها فيُقالَ: هو منها بائِنٌ ) ) [3] .
(1) تفسير القرطبي89:17.
(2) ينظر: الإتقان 171:2.
(3) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، تح: محمد أبو الفضل ابراهيم 153:5.