الصفحة 50 من 197

فليس في كلِّ جزاءٍ من عائدٍ على الشرطِ بـ (مَنْ) ، كما في قولِه تعالى: [مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ] [المائدة/54] ، فليس في الجزاءِ [فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ ... ] من عائدٍ على اسمِ الشرط (مَنْ) ، لأنَّ إتيانَ اللهِ تعالى بِهؤلاءِ القومِ غيرُ مشروطٍ بوقوعِ ارتدادِ المخاطَبين عنِ الدِّين، بل هو وعْدٌ إلهيٌّ تطمئنُّ به قلوبُ المؤمنين والمستضعفين، واللهُ أعلم.

قال الطاهر بن عاشور: (( وقولُه: [فَإنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ] جوابُ الشرطِ، والرابطُ بين الشرط وجوابه هو العمومُ في قولِه:(القلوب) ، فإنَّ من جملةِ القلوبِ قلوبَ الذين يُعظِّمون شعائرَ الله )) [1] . وهذا الترابطُ ينقضُ مذهبَ الزمخشريِّ الذي أوجبَ في ضوئِه هذا التقديرَ. وقد اكتُفِيَ بـ (تقوى القلوب) لأنَّ القلوبَ هي (( منشأُ التقوى والفجور، أو الآمرةُ بهما ) ) [2] . فالمعنى هو: (( أنَّ التعظيمَ بابٌ من التقوى، ومن أعظمِ أبوابِها، لا أنَّ التعظيمَ صادرٌ من ذي تقوى ) ) [3] ، واللهُ أعلم.

و تحت هذا النوعِ من الاختزال أدرَجَ الشوكانيُّ قولَه تعالى: [فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ] [طه/96] ، فقد ذهبَ إلى أنَّ ثمة محذوفًا مختزلًا فيه، تقديرُه: (( من أثَرِ حافِرِ فرسِ الرسولِ ) ) [4] بزعْمِ أنَّ ثمة مضافَين مختزَلَين في النصِّ هما: (حافر فرس) .

والراجحُ أنَّ (أثر الرسول) -كما في النص الكريم - هو أثرُ جسمِه حصرًا، ولا شيءَ غيرُه. فالأثرُ المقصودُ هنا ماديٌّ، بدليل قولِه تعالى على لسانِ السامريِّ: [فَقَبَضْتُ قَبْضَةً] ، أي: أخذتُ بكفِّيَ جزءً من أثره الذي خلَّفه بجسمِه أو بقدمِه، وهذا هو مرادُ (السامريِّ) وكيدُه للنبي موسى (عليه السلامُ) بافتعالِه السحرَ، وإغوائِه بالعِجْلِ.

(1) التحرير والتنوير230:6.

(2) تفسير البيضاوي125:4. وينظر: زاد المسير430:5. وكتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير، أحمد بن تيمية الحرَّاني، تح: عبد الرحمن قاسم النجدي485:17. وتفسير أبي السعود (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم) ، محمد بن محمد أبو السعود106:6.

(3) روح المعاني151:17.

(4) نيل الأوطار 360:3. وينظر: عون المعبود، أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي 342:3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت