الصفحة 49 من 197

بأنَّ الاكتفاءَ بالمنادَى المفرد - هنا - دونَ ذكرِ (ياء المتكلم) هو الأكثر شيوعًا واستعمالًا في العربية [1] .

وقد ورد نداءُ كلمةِ (رَبِّ) بحرفِ النداء (يا) في موضعَين في القرآن الكريم، من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في قولِه تعالى: [وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ] [الزخرف/88] [2] ، وقولِه تعالى: [وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا] [الفرقان/30] . قال الزركشيُّ في آيةِ الزخرف: (( أثبتَ حرفَ النداء لأنه دعا ربَّه من مرتبةِ حضورِه معهم في مقامِ الملك، لقولِه:(إنَّ هؤلاءِ ) )) [3] ، ولأنَّهم (لا يؤمنون) في صورةٍ، و (اتخذوا القرآنَ مهجورًا) في صورةٍ أُخرى. فهم غير قريبين من الله تعالى، وقد دُعِيَ اللهُ تعالى بضميمتِهم، واللهُ أعلم.

القسم الآخر: حذف أكثر من كلمة:

وقد جَعَلَ منه الزمخشريُّ قولَه تعالى: [ذلكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ] [الحج/32] ، إذ قال: (( أي: فإنَّ تعظيمَها من أفعال ذوي تقوَى القلوب. فحذفت هذه المضافاتُ ولا يستقيمُ المعنى إلاَّ بتقديرِها، لأنه لابدَّ من راجعٍ من الجزاءِ إلى(مَنْ) ليرتبِطَ به )) [4] .وبهذا قال كلٌّ من البيضاويِّ، وابنِ هشام، والسيوطيِّ، والشوكانيِّ [5] .

ولا ريبَ في أنَّ عبارةَ الزمخشريِّ: (( ولا يستقيمُ المعنى إلاَّ بتقديرِها ) )غيرُ مقبولةٍ من مثلِه، فألفاظُ كتابِ الله منساقةٌ لدلالاتِه، ودلالاتُه منساقةٌ لألفاظِه، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ: نظمِه ومعناه جاء لحكمةٍ وبقدْرٍ لدلالةٍ مقصودةٍ، ومعانٍ إيحائيةٍ، دونَ سواها. فقولُ الزمخشريِّ هذا يُفهَمُ بصورةٍ تُحيلُ النصَّ إلى غير وجهتِه. وحجتُه بأنَّ الجزاءَ لابدَّ فيه من راجعٍ إلى (مَنْ) ، وهو اسمُ الشرطِ، ليرتبطَ به، غيرُ ملزِمةٍ

(1) ينظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد274:3.

(2) المنادِي هو نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) . ينظر: تفسير الثعالبي135:4. والدر المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين السيوطي396:7.

(3) البرهان405:1.

(4) الكشاف224:3.

(5) ينظر: تفسير البيضاوي125:4. ومغني اللبيب624:2. و الإتقان 171:2. وفتح القدير646:3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت