يُذكرَ فيه، أو أنْ يُسقَطَ عنه ويُحذَفَ اختزالًا، هذا من جهةٍ. ومن جهةٍ أُخرى فإنَّ (يا) من حروف المعاني التي إنْ أُريدَت لفظًا أو كتابةً ودلالةً، فلا يمكن - قياسًا - إسقاطُها [1] .
ومما تجدُرُ الإشارةُ إليه أنَّ كلمةَ (رَبِّ) وردتِ اسمًا منادَى مكتفَى به فقط، دون ذكرِ العائدِ على المنادِي، أي: (ياء المتكلم) في (67) سبعةٍ وستين موضعًا في القرآنِ الكريم، نحو قولِه تعالى: [وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا] [نوح/26] ، وقولِه تعالى: [وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ] [التحريم/11] ، وقولِه تعالى: [قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ] [الأحقاف/15] ، وقولِه تعالى: [وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا] [طه/114] .
أما الاكتفاءُ به دونَ إيرادِ حرف النداء (يا) ، ودونَ إرادتِه، فلتصويرِ مدى القربِ الذي يؤمنُ به المنادِي من اللهِ تعالى، ولاسيَّما أنَّ أغلبَ المنادين في هذه المواضعِ همُ الأنبياءُ (عليهمُ السلام) والصالحون ولإبرازِ مدى لطْفِ الله تعالى بهم إذ ألهمهم درجةَ هذا القربِ التي لا تستدعي فصْلًا، ولا وساطةً فيُكتفَى بـ (رَبِّ) (( لأنه أقربُ إلينا من أنفسِنا ) ) [2] ، واللهُ أعلم.
وأما الاستغناءُ عن إيرادِ العائدِ على المنادِي، وهو (ياء المتكلم) ، فلتصويرِ مدى الإسراعِ الذي عليه المنادِي، ولبيانِ رجائِه وطلبِه سرعةَ الإجابةِ من الله تعالى، من جهةِ الدلالةِ. ولأنَّ هذا الاكتفاءَ لا يَشتبهُ فيه السامعُ أوِ القارئُ. فالسياقُ مبينٌ أنه للمفردِ المتكلِّمِ، من جهةِ النظمِ واللفظِ، بخلافِ النظمِ الذي يُساقُ بلسانِ الجماعةِ، إذ يجبُ فيه إيرادُ العائدِ على المنادِي، خشيةَ الاضطرابِ في هذا النظمِ وخشيةَ الالتباسِ بالمنادِي المفرد، نحو قولِه تعالى: [رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ] [البقرة/286] . فلا يصِحُّ - إذا دعَوْنا اللهَ تعالى- أنْ نقولَ بلسانِ الجماعةِ: (ربِّ لا تُؤاخذنا إنْ نسِينا أو أخطأنا) علمًا
(1) ينظر: الخصائص2: 273 - 284. وشرح المفصل15:2. والأشباه والنظائر، السيوطي، راجعة وقدم له: د. فايز ترحيني1: 33 - 35. وأساليب الطلب267.
(2) البرهان405:1.