الصفحة 47 من 197

تقريبٌ للمنادَى من المتكلم، وتلطيفٌ لمحلِّهِ عنده )) [1] ، إذ قال في قولِه تعالى: [يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا] : (((يوسف) .... منادَى قريبٌ مُفاطِنٌ للحديث، وفيه تقريبٌ له وتلطيفٌ لمحلِّه )) [2] .

وقولُه تعالى: [يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِينَ] [يوسف/29] إنَّما هو كلامُ عزيز مصر لزوجِه (زُليخا) صاحبةِ المكيدةِ، وللنبيِّ يوسفَ (عليه السلام) حكاه عنه تعالى في كتابِه، في روايةٍ، أو هو كلامُ الشاهدِ الذي أنطقه الله تعالى في المكانِ الذي وقعت فيه هذه الحادثةُ، في روايةٍ أُخرى [3] . والمتكلمُ في كلتا الروايتَين كان على تَماسٍّ بيوسف (عليه السلام) وبزُليخا، وليس ثمة دليلٌ على قربِه منهما وحديثِه معهما من قولِه تعالى عنه: [يُوسُفُ] ، فقد نادَى باستعمالِ الاسمِ اكتفاءً بالاسمِ نفسِه. وفيه إشارةٌ جليةٌ على أنَّ المتكلمَ هذا كان ملاصقًا - في أثناء حديثه - للنبيِّ يوسفَ (عليه السلامُ) ، وكأنه بملاصقتِه هذه لم يُرِدْ لأحدٍ غيرِهم - هو والنبيُّ يوسفُ (عليه السلامُ) وزوجُه - أنْ يستمعَ أو يسترقَ السمعَ، فيعرفَ بشيءٍ مما جرى من زوجِه ومكيدتِها، بدليل قولِه: [أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ] ، أي: اجعَلْ من نفسِك وكأنَّ شيئًا لم يحصل لك، وانسَ، وأنتِ - لخطئِكِ وذنبِكِ - اجعلي من نفسَك مستغفرةً مكفِّرةً.

إنَّ في تقدير حرفِ نداءٍ هو (يا) عدولًا بدلالة النصِّ وتصويره لأشخاصِ الحادثة ومدى قُربِهم من بعضِهم، ومدى تكتُّمِهم على ما حصل، إلى صورةٍ أخرى يمكن أنْ تعطيَها (يا) ، فهي (( لنداءِ البعيدِ مسافةً أو حكمًا، وقد يُنادَى بِها القريبُ توكيدًا، ومذهبُ سيبويه أنَّ ما عدا الهمزةِ من حروفِ النداءِ فهو للبعيد، إلا أنه يجوزُ نداءُ القريب بما للبعيد على سبيل التوكيد ... ) ) [4] ، فإذا كانت مذكورةً في النصِّ فهي لنداءِ البعيدِ مسافةً أو حكمًا، هذا إذا كان المنادَى بِها بعيدًا فعلًا، أما إذا كان المنادى بِها قريبًا فإنَّما يؤتَى بِها للنداء توكيدًا -كما في مذهب سيبويه - ولا يمكن لما جيءَ به لتوكيد النصِّ ألاَّ

(1) أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين، د. قيس اسماعيل الأوسي 268.

(2) الكشاف 460:2.

(3) ينظر: تفسير الطبري 197:12. وتفسير ابن كثير477:2. وتفسير الثعالبي234:2. وتفسير الواحدي (الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) ، تح: صفوان عدنان داوودي 544:1. وقصص الأنبياء، نعمة الله الجزائري161.

(4) الجنى الداني 354 - 355.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت