فمما يتَّضِحُ من قولِه تعالى: [يُرِيكُمْ] أنَّ هذه الرؤيةَ هي رؤيةٌ حاليةٌ آنيةٌ متجدِّدةٌ مستمرةٌ تجعلُ المخلوقَ منبهرًا حائرًا لحظةَ رؤيتِه من قدرةِ الله وآياتِه ما يصدُرُ في السماءِ من برْق. وهذا ما لا يتحققُ بوجود (أنْ) كما في غيرها من الآياتِ، ولا بتقديرِها كما يُزعَمُ. واللهُ أعلم.
وفي الآيةِ وتخريجِها آراءٌ أخرى قائمةٌ على القولِ بـ (الحذف والتقدير) ، قال الآلوسيُّ في واحدٍ منها، وهو أنْ يكونَ [مِنْ آياتِهِ] خبرًا لمبتدأ مَحذوفٍ، والتقديرُ: (((من آياتِه ما يُذكَرُ أو ما يُتلَى عليكم) ثم قيلَ: [يُرِيكُمُ الْبَرْقَ] بيانًا لذلك )) [1] . وقد قال موازنًا بين تقديرِه هذا وبين باقي التقديرات: (( وهذا أقلُّ تكلُّفًا من الكلِّ ) ) [2] ، والراجحُ - عندي - أنه لا يخلو من التكلُّفِ أيضًا.
وهنا أودُّ أنْ أنبِّهَ على أنه ليس في طوقي أنْ أتناولَ في دراستي هذه كلَّ ما ذهبَ إليه اللغويون والمفسرون من أنَّ فيه حذفًا وتقديرًا، فكتبُ اللغةِ والنحو والتفسيرِ زاخرةٌ بهذا المذهبِ، ولا أدَّعي أنَّ ما أطرحُه هو فصلُ الخطاب، أو أني قد أصبتُ فيه كبد المرادِ والمقصودِ. فهذا ما علمُه عند الله تعالى وإنَّما أُبدي فيه ما يتراءى لي أنه صوابٌ، شأني في ذلك شأنُ سوايَ مِمَّن كتب في لغةِ القرآنِ الكريم ونحوِه، وبلاغتِه.
ومما أُدرِجَ تحت هذا المستوى من هذا النوع من (الحذف) قولُه تعالى: [يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا] [يوسف/29] ، بتقدير حرف نداءٍ محذوفٍ اختزالًا هو (يا) [3] .
والراجحُ أنَّ (يوسفُ) منادَى بنفسِه لا بحرفِ نداءٍ مقدَّرٍ. قال أبو بكر بن الأنباري: (( في المُنادَى تسعُ لغاتٍ، يقالُ: يافلانُ. ويقالُ: فلانُ .... ) ) [4] . وقد ذهب الزمخشريُّ إلى أنَّ هذا الأسلوبَ (( فيه
(1) روح المعاني 33:21.
(2) نفسه. وينظر في باقي الآراء: التبيان في إعراب القرآن 185:2. وتفسير البيضاوي 333:4. والمستوى النحوي في بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز للفيروزآبادي، د. محمد أحمد سليمان 348 - 350.
(3) ينظر: المقتصد في شرح الإيضاح، عبدالقاهر الجرجاني، تح: د. كاظم بحر المرجان 760:2.
(4) الزاهر في معاني كلمات الناس، تح: د. حاتم صالح الضامن263:2.