إنَّ (( للفعلِ في القرآنِ قوةَ الاسمِ، فهو يقعُ في العبارةِ القرآنيةِ في موقعِ الفاعلِ، نحو قولِه تعالى: [ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ] [1] [يوسف/35] ، وليس هذا بالأمر الغريبِ؛ فالفعلُ والاسمُ في العربيةِ فرعانِ من أصلٍِ واحدٍ .... وليس معنى الزمن الموجودِ في الفعلِ بمانعٍ من استعمالِه استعمالَ الاسمِ، فهو يقعُ على حدِّ ما يذكرون صفةً أو حالًا أو خبرًا .... ومن بديعِ الاستعمالِ في العبارةِ القرآنيةِ وقوعُ الفعلِ فاعلًا للأفعالِ الناسخةِ حين تكتفي بالمرفوع، وهو أسلوبٌ فيه من الإيجاز الرائعِ والاستغناءِ عما لا حاجةَ للكلامِ به، من ذلك قولُه تعالى ....: [مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ] [التوبة/117] .... والذين لا يرتضون فِكاكًا من أسرِ القاعدةِ - وإنْ بان فسادُها - يركنون إلى التأويلِ والتقديرِ كما هي عادتُهم ) ) [2] . ومن بديع الاستعمال القرآني وقوعُ الفعلِ مبتدأً، كما في قولِه تعالى: [وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ .... ] [3] .
الآخر:
يجوزُ أنْ يكونَ النصُّ (( مما نزل فيه الفعلُ منزلةَ المصدرِ، فلا نُقدِّر(أنْ) ، بلِ الفعلُ مستعملٌ في جزءِ معناهُ، وهو الحدثُ مقطوعٌ فيه النظرُ عن الزمانِ، فيكونُ اسمًا في صورةِ الفعلِ، فـ (يُريكُم) بمعنى الرؤيةِ، وحُمِلَ على ذلكَ في المشهورِ قولُهم: تسمَعُ بالمُعيديِّ خيرٌ من أنْ تراهُ )) [4] .
ومما تجدُرُ الإشارةُ إليه - هنا - (( أنَّ النواصبَ والجوازمَ لا تدخُلُ على الفعلِ الواقعِ موقعَ الاسمِ لحصولِه في موضعِ الأسماءِ، فلا سبيلَ لنواصبِ الأفعالِ وجوازمِها أنْ تدخُلَ على الأسماءِ ولا على ما هو واقعٌ موقعها، فهي إذا دخلت على الفعلِ خلَّصته للاستقبال ونفت عنه معنى الحال ) ) [5] .
(1) قال برجشتراسر: (( أي: قصْدُ سجنه. فالجملة هنا مسند إليه ... وكل هذا وأمثاله ليس له أصل ثابت، ولا قاعدة معينة في العربية، وهو من بقايا أوائل اللغة التي قد تحافظ عليها العربية ) ). التطور النحوي 192.
(2) نحو القرآن، د. أحمد عبدالستار الجواري 30 - 32.
(3) ينظر: نحو القرآن 75.
(4) روح المعاني 33:21. وينظر: تفسير البيضاوي333:4.
(5) نتائج الفِكر في النحو، أبو القاسم السهيلي، تح: عادل أحمد ورفيقه 63.