ولعلَّ أبرزَ ما يُلحظُ في هذه الآياتِ الكريمةِ أنَّها بدأتْ بقولِه تعالى: [وَمِنْ آيَاتِهِ] ، إشارةً إلى إيرادِ بعضٍ منها بعد هذا المقطع، وتذكيرًا وتنبيهًا إلى أنَّ خالقَها وموجدَها هو الله تعالى، فهو مالكُ كلِّ شيءٍ. ومما يُلحظُ فيها أيضًا أنَّ هذا الخبرَ المقدَّمَ - [مِنْ آيَاتِهِ] - للعنايةِ والاهتمامِ قد أُخبرَ به عن مبتدأٍ على ثلاثةِ مستوياتٍ، هي:
1.ما وقع بين دلالةِ الثبوتِ والدوامِ المستفادةِ من قولِه تعالى: [أنْ خلقَكُم] فهو بتأويلِ المصدر كما يُقالُ، وبين دلالةِ الثبوتِ المُشرَبِ بالتجدُّدِ والاستمراريةِ المستفادَين من الفعل (خَلَقَ) أو من الفعلِ (تنتشر) ، والفعلِ (تسكن) بخاصَّةٍ، فهما على صيغة (يفعل) .
2.ما دلَّ على الثبوتِ والدوامِ المستفادِ من الاسمِ (خَلْقُ) والاسمِ (منامُ) والاسمِ (ابتغاءُ) .
3.ما دلَّ على التجدُّدِ والاستمراريةِ المستفادَين من الفعلِ (يُريكم) ، والحركة النفسيةِ المتغيرةِ بين الخوفِ والطمعِ. دونما إشارةٍ أو ذكْرٍ لما قد ينتقلُ بدلالةِ هذا المستوى إلى ما يفيدُ الثبوتَ والدوامَ الملحوظَ من (أنْ) والفعل، كما في الآيةِ اللاحقةِ: [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ] .
فغايةُ ما يُدركُ من دلالةِ الآيةِ: [وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا] هذا التجدُّدُ المتناوبُ والاستمرارُ المتعاقبُ لرؤيةِ البرقِ، وهو تجدُّدٌ ينتقلُ بين الخوفِ والطمعِ عند الناس، ولا يمكن بحالٍ أنْ نزعُمَ (أنْ) محذوفةً مختزلَةً قبل الفعلِ (يُريكُم) ، فعندها نعدِلُ بدلالةِ النصِّ من إرادةِ التجدُّدِ والاستمرارِ إلى إرادةِ الثبوتِ والجمودِ والدوامِ، كما هو في غير هذه الآيةِ. ثم لو كان هذا المعنى مرادًا بخاصَّةٍ، فما العلَّةُ من عدمِ ذِكْرِ (أنْ) كما ذُكِرَتْ في غير هذه الآيةِ؟ هذا من جانبٍ. ومن جانبٍ آخرَ فإنَّ زعْمَ حذفِ (أنْ) ، أو تقديرِها غيرُ مقبولٍ لأنَّها موصولٍ حرفيٌّ يجبُ ذِكْرُه، فإذا ما جاز ذلك - كما يقولُ ابنُ مالكٍ [1] - فإنَّ القولَ به مرفوضٌ لسببين رئيسين، هما:
الأول:
(1) ينظر: البرهان 159:3. والإتقان 169:2.