الضربُ الثالث/ حذف حرف:
وقد جُعِلَ منه قولُه تعالى: [وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا] [الروم/24] بزعْمِ أنَّ ثمة حرفًا محذوفًا مختزلًا تقديرُه: (أنْ) قبل الفعل (يُريكم) [1] .
إنَّ سبب هذا الزعمِ والتقدير عند المعربين هو أنَّ المبتدأَ يجبُ أنْ يأتيَ مفردًا، أو مؤولًا بالمفردِ، ولا يجوزُ أنْ يأتيَ جملةً، لأنه محكومٌ عليه، والمحكومُ عليه يكونُ مفردًا لا جملةً، فالمفردُ محكومٌ عليه، والجملةُ حكمٌ. لذا لا يكونُ المبتدأُ جملةً وهو حكْمٌ فيُحكمُ عليه بالخبر، وهو حكْمٌ أيضًا [2] .
والواقعُ أنَّ هذه القاعدةَ قائمةٌ على رؤيةٍ غريبةٍ عن اللغةِ، وسَعتِها، ومرونتِها، وطواعيةِ تراكيبِها وأجزاء جملها. إنَّها رؤيةٌ بعيدةٌ عما يُدركُ من دلالةِ النصِّ.
لقد وردتْ هذه الآيةُ الكريمةُ ضمنَ آياتٍ تُذكِّرُ الإنسانَ بنِعَمِ الله تعالى عليه، وبعظيم آياتِه الدالَّةِ على قدرتِه ورحمتِه لعبادِه، وهي قولُه تعالى: [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْييِ بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنْ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ] [الروم/20 - 25] .
(1) ينظر: تفسير الطبري 28:10. وتفسير البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) ، عبد الله بن عمر، تح: عبد القادر عرفات 333:4. والإتقان 169:2.
(2) ينظر: المقرب، ابن عصفور، تح: د. أحمد عبدالستار الجواري ورفيقه 82:1. وأمالي ابن الحاجب، ابن الحاجب، تح: فخر سليمان قدارة 882:2 [إملاء203] . وشرح اللمحة البدرية، ابن هشام، تح: د. هادي نهر 357:1. والبهجة المرضية في شرح ألفية ابن مالك، جلال الدين السيوطي 29.