الصفحة 42 من 197

المتكلِّم نفسِه، فالنحويُّ المقدِّرُ، أو المفسِّرُ القائلُ بتقديره هو من نسبَ قولَ هذا الفعلِ - حدْسًا وظنًّا وتخمينًا - إلى المتكلم، وهو الله تعالى، التزامًا بأنَّ كلمةَ (حمالةَ) تستدعي ناصبًا لها، زعموا لزومه لتفسير النصب.

وقد ذكر ابنُ خالويهِ أنَّ نصْبَ كلمةِ (حمَّالةَ) إنَّما جاء (( على الحال والقطْعِ ) ) [1] ، والراجحُ أنَّ حمْلَ نصبِ كلمة (حمَّالةَ) على أنَّها (حالٌ) منصوبةٌ من (امرأة) أجدرُ بالالتزام وأوْلى من حمْله على تقدير عاملٍ محذوف - كما يُظنُّ - وذلك لسببين:

الأول: إنه يجعلُ (امرأته) محكومًا عليها بالخسرانِ مع زوجِها، لاشتراكِهما في إيذاءِ النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) .

الآخر: إنَّ نصبَها على الحالية يُغني عن تقدير ما لا دليلَ عليه، المنسوبِ لِمَنْ يتوهَّمه: (أشتُمُ) أو (أذُمُّ) . وهذا النصبُ يجعلُ الحكمَ على أبي لَهبٍ وزوجِه - في سياقٍ موحَّدٍ - جملةً واحدة، لا جملتَين: (تبت يدا أبي لَهبٍ) و (تبَّت زوجُه حمالةَ الحطب) .

فكلمةُ (حمَّالةَ) مقطوعةٌ عن تبعيةِ ما قبلَها، فلا هي خبرٌ مرفوعٌ إذا ما عُدَّت كلمةُ (امرأةُ) مبتدأً في جملةٍ مستأنفةٍ، ولا هي صفةٌ تابعةٌ للمرفوعِ قبلها، أو موصوفها وهو (امرأةُ) ، إذا ما عُدَّت معطوفةً على ضميرٍ مزعومٍ في الفعلِ (سيصلى) في قولِه تعالى: [سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ] [المسد/3 - 4] . فهذا كلُّه أوْلى من القولِ الآخرِ لابنِ خالوَيه - ومن ذهب إلى مثلِه - في توجيه نصبِ كلمةِ (حمَّالةَ) وهو: (( وإنْ شئتَ على الشتمِ والذمِّ، [بمعنى] أشتُمُ حمالةَ الحطَبِ، وأذُمُّ حمالةَ الحطبِ ) ) [2] . فالفعلُ المزعومُ تقديرًا (أشتُمُ) أو (أذُمُّ) إذا ما التُزِمَ في توجيه نصْبِ كلمةِ (حمَّالةَ) فإنَّ ذلك يعني أنَّ هذا المقدِّرَ قد جعل من نفسِه هو صاحبَ الكلام - غفلةً من غير شعور - لأنه مسندٌ إلى المتكلم - كما هو جليٌّ - ولأنَّ النصَّ الكريمَ هو كلامُ الله تعالى. لذا لا يمكن قبولُ هذا التقدير لأنه سيكونُ مشابِها لقولِه تعالى: [قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى] [طه/46] ، فلتحقُّقِ الفعلين (أسمعُ) و (أرى) منه تعالى، ذُكِرا. فهما له تعالى دون سواه، وليس بِمعقولٍ أنْ يُقدَّرَ (أذُمُّ) أو (أشتُمُ) حدْسًا وظنًّا وتخمينًا، وزعمُهما من كلام المتكلم، وهو الله تعالى.

(1) إعراب ثلاثين سورة 225. وينظر: معاني القرآن، الفراء 298:2. وقد آثرتُ عبارةَ ابن خالويه على الرغم من تأخُّره عن الفراء.

(2) إعراب ثلاثين سورة 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت