الصفحة 41 من 197

(الحادث) قبلَ العامل (المحدِث) - في تقويمِه أو تعديلِه بهذا الشكل المستنِدِ إلى القولِ بالحذف والتقدير اختزالًا وزعمًا.

إنَّ مجيءَ كلمةِ (أحدٌ) بعد أداة الشرط (إنْ) يجذِبُ انتباهَ السامع، ويصرِفُ نظرَه إلى كونِها - أي: كلمةِ (أحدٌ) - نكرةٌ تنتظِمُ كافةَ أفرادِ الجنسِ البشري لإبِهامِها وشيوعِها، مما يُكوِّنُ فكرةً جليةً في ذهنِ القارئ أو السامع على أنَّ هذا التعليقَ - أي: الشرطَ بـ (إنْ) - قائمٌ على نفي شيءٍ عن أيٍّ كان ثم جاء ذِكْرُ هذا الشيءِ المعلَّقِ عليه، وهو الفعلُ (استجار) ، وبهذا معنى دقيقٌ لطيفٌ لا يمكن تحصيلُه بأيِّ تصورٍ كان من تركيبِ (وإن استجارك أحدٌ من المشركين ... ) المزعوم. فتقديمُ الفاعل هنا، وهو كلمةُ (أحدٌ) يدلُّ بشكلٍ جليٍّ على أنَّ هذه اللفظةَ - بدلالتِها - هي معقدُ الكلام، ومعتنى النظم والفكرة، ولا شيءَ ذا بالٍ يمكن تحصيلُه من القولِ بأنَّ ثمة فعلًا محذوفًا اختزالًا، يَسبقُ فاعلَه (أحدٌ) الواقعَ بعد أداةِ الشرط (إنْ) يُفسِّرُه الفعل المذكور.

وأما قولُه تعالى: [إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ] [الانشقاق/1] فإنَّ اللافتَ للنظر في الآيةِ الكريمةِ هو كلمةُ (السماء) ، فهي بأسرارِها، وعظيمِ خطرها، وجليل أمرِها، وتصاغُرِ المخلوق أمامَ بديعِ صُنْعِها، وتكوينِها، وسَمْكِها، ستنشقُّ يومًا ما لا يعلمُه إلاَّ اللهُ تعالى، فإذا كانت - وهي على ما هي عليه من عظمةٍ وروعةِ إبداع - معرَّضةً لِهذا الانشقاقِ، فكيف بالإنسانِ الضعيفِ الدقيق - بلا نسبةٍ - موازنةً مع السماء؟ وما القوةُ المهولةُ القادرةُ على هذا الشَّقِّ؟ وبالتالي: مَنْ له هذه القدرةُ الجبارةُ بحيثُ تنقادُ هذه التكويناتُ العظيمةُ لأمره ومشيئتِه، وما مدى قوةِ تلك القدرة على مَنْ وما هو دونَ السماءِ بأجزائِها وتكويناتِها؟ كل هذا يتجلَّى من أسرارِ تقديم كلمة (السماء) - وهي الفاعلُ - على كلمة (انشقت) وهو فعلُها، واللهُ أعلم بمراده. فهل يتجلَّى شيءٌ من هذا في العبارة لو كانت كما زُعِمَ أنَّ تقديرَها هو: (إذا انشقتِ السماءُ) ؟ إنه تركيبٌ مزعومٌ لا يتبادر منه سوى لَفْتِ النظر إلى الحدث أولَ الأمر، وهو غير مرادٍ أولًا في النظم الواقع فعلًا في القرآن، واللهُ أعلم.

ومن هذا النوع من (الحذف) - عند القائلين به - قولُه تعالى: [وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ] [المسد/4] ، فالمحذوفُ المختَزَلُ فيها - كما يُقالُ - هو الفعلُ (أذُمُّ) [1] ، والحقيقةُ أنَّ الفعلَ (أذُمُّ) مسندٌ إلى المتكلمِ، وأيسرُ ما يمكن الاعتراضُ به على هذا التقدير: أنَّ هذا الزعْمَ هو من تصوُّرِ غير

(1) ينظر: إعراب ثلاثين سورة 225. والإتقان 169:2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت