زاعمين أنَّ التقدير هو: (يا قوم ليت) [1] ، بحجةِ أنَّ (يا) للنداء، و (ليت) حرفٌ لا يُنادَى، لذا يجبُ تقديرُ منادًى محذوفٍ اختزالًا.
والواقعُ أنَّ تركيبَ (يا ليتَ) لا يُرادُ به النداءُ بِمعناه الحقيقيِّ، وهو طلبُ إقبالِ المُنادَى أو لفْتُ نظرِه، وتنبيهُه، إذ إنَّ (يا) تكونُ على قسمَين رئيسين، هما [2] :
1 -تنبيهُ المُنادَى حقيقةً، وطلبُ إقبالِه أو معونتِه، نحو: (يا زيدُ) .
2 -لمجرَّدِ التنبيهِ، لا للنداءِ حقيقةً، وقد ذهب أبو علي الفارسي إلى أنَّ قولَه تعالى: [يَا لَيْتَ] يندرجُ تحت هذا القسم. فـ (يا) فيه - عنده - لمجرَّد التنبيه [3] .
والأرجحُ - عندي - أنَّ تركيبَ (ياليت) لا يُرادُ به - بضميمةِ السياق وظروف المقال، لا بمجرَّدِ تركيبِ (يا ليت) ودلالتِه - مجرَّدُ التنبيه فقط، بل يُرادُ به - زيادةً على ذلك - رفضُ الحدَث الواقعِ، واستغرابُه أو استنكارُه، وهو يدلُّ على تَمنِّي ما هو غير متحقِّق، أو ما لا سبيلَ إلى تحقيقِه، وما هو مُشرَبٌ بالخوف والرهبة والوَجَل. ومصداقُ هذه الدَّلالةِ قولُه تعالى على لسانِ السيدةِ مريمَ (عليها السلام) حينما انتبذت بحَملِها مكانًا قصِيّا: [يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا] [مريم/23] ، فهي في أوجِ حالاتِ الدهشةِ والاستغرابِ من هذا الحدَث، أو مما حلَّ بِها واختُبرت به، وقد تمنَّت بقولِها: (يا ليتني) الموتَ، وطيَّ الذِّكْر، وهما ما لم يتحققا ساعةَ هذا التمني المُشربِ بالخوفِ والرهبةِ والوَجَل.
(1) ينظر: التبيان في إعراب القرآن 186:1. وتاج العروس 458:10 - 459. وفتح القدير 104:4.
(2) ينظر: الجنى الداني 354 - 358.
(3) ينظر: التبيان في إعراب القرآن 186:1 - 187. وتسهيل الفوائد، ابن مالك، تح: محمود كامل بركات 179. ويلي (يا) وهي بهذا المعنى غيرَ (ليت) أحدُ أربعةِ أشياء أُخرى، هي:
أ- الأمر، نحو قوله تعالى: (ألا يا اسجدوا) في قراءة الكسائي.
ب- الدعاء، كقول الشاعر: ... يا لعنةَ اللهِ والأقوامِ كلِّهُمُ ... والصالحين على سمعانَ مِنْ جار.
ت- (رُبَّ) ، كقول الشاعر: ... يا رُبَّ سارٍ باتَ ما توسَّدا.
ث- (حبَّذا) ، كقول الشاعر: ... يا حبَّذا جبلُ الرَّيانِ مِنْ جبلٍ ... وحبَّذا ساكنُ الريانِ مَنْ كانا.
ينظر: الجنى الداني 355 - 357.