الصفحة 39 من 197

ولو كان الأمرُ كما زُعمَ من اختزالِ منادَى تقديرُه (قوم) أو (قومي) ، فمنِ القومُ الذين تُناديهمُ السيدةُ مريمُ (عليها السلام) في حالتِها هذه، في المكان القَصِي، وهي قد نأتْ بحملِها بعيدًا عنِ الأنظار تمامًا، خشيةً مما سيأتي.

قال ابنُ مالكٍ: (( ظنَّ أكثرُ الناسِ أنَّ(يا) التي تليها (ليت) حرفُ نداءٍ، والمنادَى محذوفٌ، وهو عندي ضعيفٌ، لأنَّ قائلَ (ليتني) قد يكونُ وحدَه، فلا يكونُ معه منادَى، كقولِ [السيدة] مريم [عليها السلام، كما نقل النصُّ القرآنيُّ] : [يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا] )) [1] .

كما أنه لا يستقيمُ زعمُ منادَى محذوفٍ اختزالًا تقديرُه (قوم) أو (قومي) في هذا التركيب في مواضعِ الحَيرةِ والأسفِ والندامةِ والرهبة، نحو قولِه تعالى: [َيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا] [النبأ/40] وقولِه تعالى: [يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي] [الفجر/24] . فمَنْ يُنادَى، ومَن يُطلب عونُه ومساعدتُه في هذه المواقفِ التي لا يُشغَلُ فيها المرءُ إلاَّ بنفسِه ومآلِه. ولا يستقيمُ هذا التقديرُ المزعومُ في قولِه تعالى: [قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ] [يس/26] فكيف يصِحُّ (يا قومي، أو يا قومُ ليت قومي يعلمون ... ) ، وهو كلامٌ ساقه صاحبُه وهو في العالم الآخر بعد ما قبضه اللهُ تعالى إليه، وأراه من نعيمه وعطائِه الذي جعله له جزاءً لإيمانِه وتصديقِه المرسلين [2] ، ودعوةِ قومِه في حياتِه الدنيا إلى الإيمان بِهم بعدما أرَوه من دلائلَ وحدانية الله تعالى، ومن معجزةِ رسالتِهم إلى هؤلاءِ القومِ، وهو منهم. فلا هو يُخاطبُهم عيانًا، ولا هم يسمعونه، وكلامُه في هذا النصِّ إنَّما هو حكايةُ حالِه بعد موتِه ورؤيتِه من نعيم الله تعالى، وجزاءِ عملِه الحَسَن في الدنيا، كما هو جليٌّ من النصِّ الكريم، واللهُ أعلم.

لذا فزعْمُ الحذفِ المختَزَلِ هنا وادِّعاءُ مقدَّرٍ في النصِّ أمرٌ فاسدٌ من جهةِ دلالةِ النصِّ كما مرَّ. أما من جهةِ نظمه فادِّعاءُ (الحذف) وزَعْمُ مقدَّرِ في النصِّ فأمرٌ فاسدٌ أيضًا لأنَّ (( المُنادَى معتَمَدُ المقصَدِ،

(1) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني 58:1.

(2) هم رسُل عيسى (عليه السلام) إلى أهل أنطاكيَّة في الشام لإنقاذهم من ضلالة الشرك. وقد ذكر الزمخشريُّ أنَّ المعنيَّ بهذه الآيةِ الكريمة هو حبيب النجار من قرية أنطاكيَّة. ينظر: الكشاف 3: 644 - 647.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت