الصفحة 35 من 197

أفعالَ الله تعالى من نافعٍ وضارٍّ صادرٌ عنِ الحكمةِ والمصلحةِ، فهو خيرٌ كلُّه، كإيتاءِ المُلكِ ونزعِه )) [1] . فقد دلَّ السياقُ، إذن، على إرادةِ الخيرِ وحدَه، وليس ثَمَّ ما يدعو إلى إقحامِ الشرِّ أو توهُّمِه لا في السياقِ، ولا في ما هو راسخٌ في النفوس من الإيمانِ بأنَّ ما في يدِ الله تعالى إنَّما هو خيرٌ كلُّه.

3 -الاحتباك:

وصفه السيوطيُّ بأنه (( ألطفُ الأنواع وأبدعُها، وقلَّ من تنبَّه له أو نبَّه عليه من أهل فن البلاغةِ .... وهو أنْ يحذفَ من الأول ما أُثبِتَ نظيرُه في الثاني، ومن الثاني ما أُثبِتَ نظيرُه في الأول ) ) [2] .

وقد جعلَ من أمثلتِه في القرآنِ الكريم قولَه تعالى: [وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء] [النمل/12] ، فعنده أنَّ فيها حذفًا تقديرُه: (((تدخل غير بيضاء، وأخرجْها تخرجُ بيضاء) فيحذفُ من الأول (غير بيضاء) ومن الثاني (أخرجْها ) )) [3] .

ولا ريبَ في أنَّ الآيةَ الكريمةَ بنظمها الرائع لا تستدعي زعْمَ (الحذف والتقدير) هذا، فجوابُ الطلب: [تَخْرُجْ بَيْضَاءَ] هو النتيجةُ المقصودةُ، وهي إحدى الآياتِ التسعِ التي دلَّت على نبوَّةِ سيدنا موسى (عليه السلام) وتصغيرِ فرعونَ أمامَها، فمما لا ريبَ فيه أنَّها تدخلُ (غيرَ بيضاءَ) ، وإلاَّ فكيفَ تُصبحُ آيةً لولا هذا التحوُّلُ؟ كما أنه لا يمكن أنْ يَرَى تحوُّلَها هذا من (غير بيضاءَ) إلى (بيضاءَ) إلاَّ بإخراجها وعدم إضمارها. ثم إنه - (عليه السلامُ) - يعرفُ لونَ يدِه وحالَها جيدًا، فلا يحتاجُ إلى أنْ يُقالَ له: إنَّ يدَكَ ليست ببيضاءَ، لإعلامِه بلونِها قبل ذلك.

قال الآلوسيُّ في ردِّ القولِ بحذف الاحتباك المزعوم في هذه الايةِ، وفي ردِّ التقدير المزعوم: (( وهو تكلُّفٌ لا حاجةَ إليه ) ) [4] . فالراجحُ - عندي - أنَّ زعمَ الحذف والتقدير - هنا - ما هو إلاَّ مِن السير في ركْبِ مَنْ وَلِهَ بالقول بالحذف والتقدير، والله أعلمُ.

(1) الكشاف 308:1. وينظر: بحار الأنوار 351:84.

(2) الإتقان 164:2. وقد سماه الزركشي - قبل السيوطي- بـ (الحذف المقابلي) ينظر: البرهان 129:3. وينظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للنووي، محمد بن الشربيني الخطيب 154:3.

(3) الإتقان 164:2.

(4) روح المعاني 167:19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت