الصفحة 34 من 197

وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا] [الإسراء/83] . فقد نسب اللهُ تعالى الإنعامَ على الإنسان إلى نفسِه بصيغةِ التعظيم بوساطةِ الضمير (نا) ، ولم ينسبْ مسَّ الشرِّ الإنسانَ إلى نفسِه، بل نسبَ هذا المسَّ إلى الشرِّ نفسِه، إشارةً إلى طواعيةِ الإنسانِ إلى ما يوجبُ هذا المسَّ، واللهُ أعلم. ونحو قولِه تعالى: على لسانِ الجِنِّ: [وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا] [الجن/10] . فقد جاء الفعلُ مع إرادةِ الشرِّ بِمن في الأرض بصيغةِ (أُفعِل) دفعًا لنسبةِ إرادةِ هذا الشرِّ إلى الله تعالى، في حين نُسبَ الخيرُ المعبَّرُ عنه بـ (رشدا) إلى الله جلَّ وعلا.

قال محمد بنُ القيِّم إمامُ الجوزية في ردِّ القول بالحذف والتقدير في قولِه تعالى: [بِيَدِكَ الْخَيْرُ] [آل عمران/26] : (( وأخطأ من قالَ: المعنى:(بيدكَ الخيرُ والشرُّ) لثلاثةِ أوجهٍ:

أحدُها: أنه ليس في اللفظِ ما يدلُّ على إرادةِ هذا المحذوفِ [المزعوم] ، بل تُرِكَ ذكرُه قصْدًا أو بيانًا أنه ليس بمراد.

الثاني: أنَّ الذي بيدِ الله تعالى نوعان: فضْلٌ وعدْلٌ، كما في الحديث الصحيحِ عنِ النبيِّ (صلى اللهُ عليه وسلَّم) : {يَمينُ اللهِ مَلأَى لا يَغيضُها نفقةُ سخاءِ الليل والنهار، أرأيتُم ما أنفق منذ خلَقَ الخلْقَ، فإنه لم يَغض ما في يمينِه، وبيدِه الأخرى القسْطُ، يخفضُ ويرفعُ} . فالفضلُ لإحدى اليدين، والعدْلُ للأُخرى، وكلاهما خيرٌ لا شرَّ فيه بوجهٍ.

الثالث: إنَّ قولَ النبي (صلى اللهُ عليه وسلَّم) : {لبَّيكَ وسعدَيكَ، والخيرُ في يدَيكَ، والشرُ ليس إليكَ} كالتفسير للآيةِ. ففرَّق بين الخير والشر، وجعَلَ أحدَهما في يدَي الربِّ سبحانه، وقطعَ إضافةَ الآخر إليه، مع إثباتِ عمومِ خلقِه لكلِّ شيءٍ )) [1] .

وفي ردِّ القولِ بهذا الحذفِ وهذا التقديرِ في الآية الكريمة قال الزمخشريُّ: (( فإنْ قلتَ: كيف قال: [بِيَدِكَ الْخَيْرُ] ، فذكرَ الخيرَ دونَ الشرِّ؟ قلتُ: لأنَّ الكلامَ إنَّما وقع في الخير الذي يسوقُه إلى المؤمنين، وهو الذي أنكرتْهُ الكفرةُ، فقال: بيدكَ الخيرُ تؤتيه أولياءَكَ على رغمٍ من أعدائِكَ، ولأنَّ

(1) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، تح: محمد بدر الدين النعساني271.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت