الصفحة 161 من 197

قال ابنُ هشام: (( والأصلُ:(تنبَّه فاعبُدِ اللهَ) ، ثم حُذِفَ (تنبَّه) ، وقُدِّمَ المنصوبُ على (الفاء) إصلاحًا للفظِ، كيلا تقعَ (الفاءُ) صدرًا )) [1] . وهذا ادِّعاءٌ مردودٌ لِما يأتي:

أ- مَن أعلمَ ابنَ هشام بأنَّ اللهَ تعالى أراد ذلك؟ ومن أطلعَه على أنَّ المرادَ هو الفعلُ (تنبَّه) دون غيره؟ إنَّ هذا وأمثاله لا يُدرَكُ إلاَّ بوحْيٍ، أو بأثرٍ من النبي (صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم) .

ب- الراجحُ أنَّ دلالةَ (بل) التي تستدعي التوقُّفَ والتنبُّهَ - أصلًا - تُغني عن هذا الزعمِ الذي يُصوِّرُ في النصِّ القرآنيِّ ما ليس فيه.

ت- لا يليقُ بالنصِّ القرآنيِّ - وهو كلامُ الله تعالى - أنْ يُتصوَّرَ فيه هذا التدرُّجُ وهذه المراحلُ التي تُوحي وتُشعِرُ بأنَّ ثَمةَ تطوُّرًا كان يَمرُّ به هذا النصُّ الكريم، حتى وصلَ إلى هذه الصورةِ المزعومةِ والنصُّ القرآنيُّ لا يستدعي - كي يُفسَّرَ - التعبيرَ بـ: الأصلُ ... ثم حُذِفَ ... وقُدِّمَ.

ث- كلُّ ما في القرآنِ على أعلى درجاتِ الفصاحةِ والبلاغةِ وهو أسْماها، وكلُّ ألفاظِه صالحٌ لا يعتَوِره فسادٌ البتة، وهذا ما لا يختلف فيه عاقلان، وليس قولُ ابنِ هشامٍ: (( وقُدِّمَ المنصوبُ على(الفاء) إصلاحًا للفظِ، كيلا تقعَ (الفاءُ) صدرًا ))بصحيحٍ، لأنَّ هذا المنصوبَ قد وردَ بعد هذه (الفاء) ، لا قبلَها، ووقعتِ (الفاءُ) صدرًا كما في قولِه تعالى: [إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ] [الزمر/2] .

8 -قوله تعالى: [فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] [غافر/68] .

قال الآلوسيُّ: (( كان أصلُ الكلام:(إذا قضَى أمرًا فيحصَلُ عقبه دفعةً، فكأنَّما يقولُ له: كُنْ فيكون) ، ثم حُذِفَ المشبَّه واستُعمِلَ المشبَّهُ به مقامه )) [2] .

والواقعُ أنَّ دَلالة (إنَّما) في الآيةِ الكريمة غيرُ دلالةِ (كأنَّما) في هذا الزعمِ للأصل. فـ (إنَّما) أداةُ قصْرٍ تؤكِّدُ خبرًا (( لا يجهلُه المخاطَبُ ولا يدفعُ صحتَه، أو لِما ينزِلُ هذه المنزلة ) ) [3] . وهذا من دَلالة النصَّ. أما (كأنَّما) فللتشبيهِ، لا للتحقيقِ والتوكيدِ. فلا داعيَ ولا مسوِّغَ لِهذا الادِّعاء والله أعلم.

وتجدُرُ الإشارةُ هنا إلى أنَّ ما يستثيرُ العجبَ لِهذا الزعمِ ما يأتي:

(1) مغني اللبيب166:1 - 167.

(2) روح المعاني368:1.

(3) دلائل الإعجاز254. وينظر: الإيضاح في علوم البلاغة121:1. وشرح الجوهر المكنون، الشيخ أحمد الدمنهوري87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت