الصفحة 160 من 197

رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا] [الأعراف/57] ، أي: حَمَلَتْ. فعلى هذا المعنى لا يُحتاجُ إلى أنْ يكونَ (لاقِح) بِمعنى (ذي لَقْحٍ) ولكنها تحمِلُ السحابَ في الماء )) [1] .

وقد نبَّه الجوهريُّ على أنه يُقال: (( رياح لواقِحُ، ولا يُقالُ: مَلاقِحُ ) ) [2] . أما الزركشيُّ فقد قال في شأنِ هذا الزعمِ لِهذا النصِّ بخاصَّةٍ: (( الواجبُ صَوْنُ القرآنِ أنْ يُقالَ فيه مثلُ ذلك ) ) [3] . لذا فالأَوْلى أنْ يُؤخذَ (لواقحُ) على ظاهرِه. فالرياحُ تحملُ ذراتِ اللقاحِ من نبتةٍ إلى أُخرى، فيتحصَّلُ التلقيحُ. وهذا هو الواضحُ من النصِّ القرآنِيِّ، واللهُ أعلم.

6 -قوله تعالى: [يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ] [العنكبوت/56] .

قال السكاكيُّ: (( أصلُه: فإن لَّم يتأَتَّ أنْ تُخلِصوا العبادةَ لي في أرضي فإيَّايَ في غيرِها اعبُدوا فاعبدون .... فحُذِفَ الشرطُ، وعَوَّض عنه تقديمُ المفعول، مع إرادةِ الاختصاص بالتقديم ) ) [4] .

والواقعُ أنَّ النص الكريمَ هو أصلٌ بذاته، ولا يَحتملُ هذا الشرطَ المزعومَ، لأنَّ الله تعالى لا يكلِّفُ نفسًا إلاَّ وسعَها، ولا يُريد بعبادِه إلاَّ الخيرَ والسعادة، ويُثيبهم على اليسيرِ جدًّا من عبادتِهم في السَّرَّاءِ والضَّرَّاء، وقد أباحَ لنا أصنافَ العبادة بِما يُريحُ النفسَ من جهةِ المكانِ بقولِه تعالى: [إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ] ، فكلُّ مكانٍ للعبادِ هو أرضُ اللهِ تعالى، ولا شكَّ في أنَّ اضطهادَ العبْدِ - وهو عابدٌ لربِّه- فيه من الأجرِ - للعبْدِ نفسِه - ما لا يُتحصَّلُ أو يُكسَبُ له في أحوالٍ أُخرى. هذا من ناحية الدَّلالة واللهُ أعلم. أما من ناحية النظم، فكيف يصِحُّ أنْ يَحُلَّ المفعولُ المقدَّمُ (إيَّايَ) مَحَلَّ الشرطِ (المَحذوف) - كما يُزعم - ويكونُ عِوضًا عنه؟ وكيف يؤدِّي دَلالتَه لو كانت مرادةً؟!

ولا بدَّ من الإشارةِ هنا إلى أنَّ قولَ السكاكيِّ بِهذا الزعمِ أمرٌ عجيبٌ، فمَنْ أعلمه بأنَّ هذا الكلامَ يشتملُ على جملةٍ شرطيةٍ، وليس في السياقِ ما يدلُّ على ذلك؟ ومِن أين جاء بِهذه الكلماتِ التسعِ التي قدَّرها وليس ثَمة ما يَحملُ على تقديرها دونَ غيرها، والكلامُ كلامُ الله؟

7 -قوله تعالى: [بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ] [الزمر/66] .

(1) نفسه.

(2) تفسير القرطبي16:10.

(3) البرهان389:3.

(4) مفتاح العلوم134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت