إنَّ قولَه تعالى: [فَلْيَدْعُ نَادِيَه] يدلُّ على الغايةِ في حَيرةِ مَنْ يقِفُ بين يَدَي الله تعالى، مِمَّن أفنى حياتَه الدنيا في اتِّباعِ هوَى النفس وشهواتِها، وأنكرَ دينَ الحقِّ دينَ الإسلام، واللهُ أعلم. وقيل: هي في حقِّ أبي جَهْل [1] ، فهو لا يستغيثُ ولا يدعو أهلَ (( المجلس الذي [كان] ينتَدِي فيه [قومُه] أي: يجتمعون ) ) [2] ، بل - لشدةِ حيرتِه - ينحو باللائمةِ على كلِّ جزءٍ كان من هذا النادي، جمادًا كان أو بشرًا. (فلْيَدْعُ) ما كانَ يُسَخِّرُ له كلَّ وقتِه وجهدِه. (فَلْيَدْعُ) ما كان غرضًا وهدفًا له. (فَلْيَدْعُ) بيتَ شياطينِه، ولن ينفعَه شيءٌ أبدًا. فإذا كان (نادِيه) بِما فيه لا يُغني عنه شيئًا، فإن للهِ تعالى أو لنارِه التي سَجَرها للمعاندين الكافرين الجاحِدِين زبانيةً موكَّلِين بإلقاءِ هؤلاءِ في جهنم. فهل لـ (النادي) برُمَّتِه وما فيه قِبَلٌ بـ (الزبانيةِ) ؟! واللهُ أعلم.
5 -قوله تعالى: [وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ] [الحجر/22] .
قال مكي بنُ أبي طالب: (( أصلُ الكلامِ(مَلاقِحُ) لأنه من: ألْقَحَتِ الرِّيحُ الشجَرَ، فهي مُلقِحٌ والجمعُ: مَلاقِحُ. لكن أتى على تقديرِ حذْفِ الزائد، كأنه جاء على: لَقَحَت فهي لاقِحٌ. والجمعُ: لَواقِحُ. فاللفظُ أتى على هذا التقديرِ، والمعنى على الآخر، لأنه لا يتعدى إلاَّ بزيادة )) [3] .
وإنه لَمن العجبِ أنْ يُعدَلَ باللفظِ (لَواقِح) وهو المراد - بِمعناه ودلالتِه - في النصِّ، إلى ما لا يُعطِي هذا المعنى وهذه الدلالةَ وهو (مَلاقِح) المزعوم! فـ (لَواقِح) تعني (لواقِح) وهي صِنْفٌ (( من الرياحِ .... تحمِلُ الندى ثم تَمُجُّه في السحابِ، فإذا اجتمعَ في السحابِ صارَ مطرًا ) ) [4] . وتعني في الآيةِ الكريمة (((حَوامِل) . جَعَل الريحَ (لاقِحًا) لأنَّها تَحمِلُ الماءَ والسحابَ وتُقلِّبُه وتصرِّفُه ثم تستَدِرُّه. فالرياحُ لواقِحُ، أي: حوامِلُ ... ومِما يحقِّقُ ذلكَ قولُه تعالى: [وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ
(1) ينظر: الكشاف615:4.
(2) الكشاف: 615. وينظر: مِنَّة المنَّان في الدفاع عن القرآن، السيد محمد الصدر364:1.
(3) مشكل إعراب القرآن412:1.
(4) لسان العرب582:2 (لقح) .