أما زعمُ الكسائيِّ صورةً أصلًا له، فدلالتُه أنَّ (مشارقَ الأرض ومغاربَها) إنَّما هي مكانُ استضعافِ هؤلاءِ المؤمنين، وأنها ظرفٌ له، بدليلِ (في) التي قدَّرها في النص، وهو واضحٌ من تقديره: (يُستضعَفون في مشارقِ الأرض وفي مغاربِها) . وبين الدلالتَين بُعْدُ المشرق والمغرب، واللهُ أعلم.
3 -قوله تعالى: [وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ] [هود/111] .
قال الفراءُ: (( أصلُه(لَمَمَّا) فلمَّا كثُرت فيها (الميماتُ) حُذِفَت واحدةٌ )) [1] . فهو يذهبُ إلى أنَّ (لَمَمَّا) - التي يزعُمُها أصلًا لـ (لَمَّا) - مستثقَلَةٌ لكثرةِ (الميمات) فيها فحُذِفت من الكلمةِ (ميمٌ) للتخفيفِ.
ولا أجدُ ما هو أشدُّ عجَبًا من هذا التعليلِ، ومن زَعْمِ الصورةِ الأصلِ هذه! (( قال الدمامينيُّ: كيفَ يستقيمُ تعليلُ الحذفِ بالاستثقالِ، وقد اجتمعَت في قولِه تعالى: [[قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ] وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ] [هود/48] ثَمانِي مِمياتٍ ) ) [2] ؟ فلو كانَ الاستثقالُ المزعومُ سببًا لِهذا الحذف المزعوم من هذه الصورةِ الأصلِ المتخيَّلة، لكانَ الأَوْلى أنْ يَجريَ في قولِه تعالى: [أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ] ذي الثمانِي (ميماتٍ) كما زُعِمَ جريانُه في قولِه تعالى: [وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ .. ] !
4 -قولُه تعالى: [فَلْيَدْعُ نَادِيَه] [العلق/17] .
قال ابنُ خالويه: (( الأصلُ:(فَلْيَدْعُ أهلَ نادِيَه) ، فحَذَفَ (الأهل) ، وأقامَ (النادي) مُقامه )) [3] . فشأنُه في زعمِ هذه الصورةِ الأصل شأنُ مَنْ ذهبَ إلى تقديرِ (أهل) في قولِه تعالى: [وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ] [يوسف/82] [4] . لأنه يَحمِلُ (فَلْيَدْعُ) و (اسأَلْ) ، أوِ (الدعوة) و (السؤال) على الحقيقةِ، لا على المَجاز.
(1) لسان العرب549:12.
(2) روح المعاني150:12.
(3) إعراب ثلاثين سورة141.
(4) ينظر: الصحف (62 - 65) من هذا البحث.