الصفحة 158 من 197

أما زعمُ الكسائيِّ صورةً أصلًا له، فدلالتُه أنَّ (مشارقَ الأرض ومغاربَها) إنَّما هي مكانُ استضعافِ هؤلاءِ المؤمنين، وأنها ظرفٌ له، بدليلِ (في) التي قدَّرها في النص، وهو واضحٌ من تقديره: (يُستضعَفون في مشارقِ الأرض وفي مغاربِها) . وبين الدلالتَين بُعْدُ المشرق والمغرب، واللهُ أعلم.

3 -قوله تعالى: [وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ] [هود/111] .

قال الفراءُ: (( أصلُه(لَمَمَّا) فلمَّا كثُرت فيها (الميماتُ) حُذِفَت واحدةٌ )) [1] . فهو يذهبُ إلى أنَّ (لَمَمَّا) - التي يزعُمُها أصلًا لـ (لَمَّا) - مستثقَلَةٌ لكثرةِ (الميمات) فيها فحُذِفت من الكلمةِ (ميمٌ) للتخفيفِ.

ولا أجدُ ما هو أشدُّ عجَبًا من هذا التعليلِ، ومن زَعْمِ الصورةِ الأصلِ هذه! (( قال الدمامينيُّ: كيفَ يستقيمُ تعليلُ الحذفِ بالاستثقالِ، وقد اجتمعَت في قولِه تعالى: [[قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ] وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ] [هود/48] ثَمانِي مِمياتٍ ) ) [2] ؟ فلو كانَ الاستثقالُ المزعومُ سببًا لِهذا الحذف المزعوم من هذه الصورةِ الأصلِ المتخيَّلة، لكانَ الأَوْلى أنْ يَجريَ في قولِه تعالى: [أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ] ذي الثمانِي (ميماتٍ) كما زُعِمَ جريانُه في قولِه تعالى: [وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ .. ] !

4 -قولُه تعالى: [فَلْيَدْعُ نَادِيَه] [العلق/17] .

قال ابنُ خالويه: (( الأصلُ:(فَلْيَدْعُ أهلَ نادِيَه) ، فحَذَفَ (الأهل) ، وأقامَ (النادي) مُقامه )) [3] . فشأنُه في زعمِ هذه الصورةِ الأصل شأنُ مَنْ ذهبَ إلى تقديرِ (أهل) في قولِه تعالى: [وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ] [يوسف/82] [4] . لأنه يَحمِلُ (فَلْيَدْعُ) و (اسأَلْ) ، أوِ (الدعوة) و (السؤال) على الحقيقةِ، لا على المَجاز.

(1) لسان العرب549:12.

(2) روح المعاني150:12.

(3) إعراب ثلاثين سورة141.

(4) ينظر: الصحف (62 - 65) من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت