الصفحة 157 من 197

وإذا كانَ (( الأصلُ سلامةَ الكلامِ من [القول بـ] الحذفِ والتقديرِ ) ) [1] - كما في نصوصِ القرآنِ الكريم، لأنَّ نصَّ القرآنِ الكريمِ أصلٌ، ولا ريبَ في ذلك - فكيفَ يكون لِهذا النصِّ - وسواه مِما سيأتي - أصلٌ قد تفرَّع عنه؟! إذًا لا يكونُ الكلامُ في نصوصِ القرآنِ سليمًا، لأنه ليس أصلًا بِموجب هذه الصور التي يُدَّعى أنها أصلٌ للنصوص المدروسة.

إنَّ المقطعَ [فَنِعِمَّا هِيَ] جزءٌ من قولِه تعالى: [إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ] [البقرة/271] . فيه توكيدٌ واهتمامٌ ولفتُ نظرٍ تحقَّقَ في مجيءِ (الميم) متَّحِدةً، وهي تُشعِرُ بالقوةِ والعزم، وهذا أمرٌ يدلُّ على ضرورةِ إبداءِ الصدقاتِ وتوكيدِ ذلك، وهي - عن ابن عباس: صدقاتُ الفرائِضِ لا التطوُّعِ. فقد قال: (( صدقاتُ السِّرِّ في التطوُّعِ تفضُلُ علانِيتَها سبعينَ ضِعْفًا. وصدقةُ الفريضةِ علانِيتُها أفضلُ من سِرِّها بخمسةٍ وعشرينَ ضِعْفًا. وإنَّما كانتِ المُجاهرةُ بالفرائضِ أفضلَ لنفْيِ التهمة ) ) [2] . هذا من جهة النظْمِ القرآنيِّ الأصلِ.

أما من جهةِ ما رآهُ الكسائيُّ وقدَّره صورةً أصلًا للنصِّ، فأينَ (ما) الأخيرةُ التي (حذَفُوها) اختصارًا؟! لم تُحذَف (ما) منَ العبارة مطلقًا، بلِ استَعمَلَ النصُّ ميمَ (نِعْمَ) وميمَ (ما) متحدتَين بالتضعيفِ، للتوكيد والتشديد على إبداءِ صدقات الفرائضِ، واللهُ أعلم بِمراده.

2 -قوله تعالى: [وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا] [الأعراف/137] . قال الكسائيُّ: (( الأصلُ: في مشارقِ الأرض وفي مغاربِها، ثم حذفَ(في) ، فنصب )) [3] . وهو زعمٌ يعدِلُ بدلالةِ النص الرائعة ويُطيح بِها. فـ (مشارقُ الأرضِ ومغاربُها) هي ما وَرِثه المستضعَفُون في الأرضِ، أي: صارت لَهم يتصرَّفون بِها، ويتمتَّعون بِخيراتِها، ويَحكمونَ في أرجائِها وأطرافِها، فضلًا عن مراكزِها. فتوريثُ (المشارق والمغارب) يعني الشموليةَ والإحاطةَ، وتوريثَ ما بينهما أيضًا، أي أَنَّ دلالةَ قولِه تعالى: [مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا] تفيدُ سَعةَ المكان الموَرَّثِ وترامي أطرافِه، وعدمَ حدِّه وتحديده. وهذا جزاءٌ من رَبِّ العالمين وثوابٌ لِهؤلاء المؤمنين الصابرين، يتجلَّى بوضوحٍ من النص، والله أعلم.

(1) شرح الكافية 171:1.

(2) الكشاف281:1 - 282.

(3) معاني القرآن، الكسائي146. وينظر: إعراب القرآن، أبو جعفر النحاس، تح: د. زهير غازي زاهد 147:2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت