القلوبَ، ويدفعُ النفوسَ إلى الاهتداءِ بِهَدْيِ الله )) [1] . لا ريبَ في أنَّ ذلك مسلَّمٌ به، ومطلوب، بل هو غايةُ كتبِ التفسير.
أما التأويلُ بالمفهومِ الذي لا يعني (التفسيرَ) ، بل يعني (( إرجاعَ الكلامِ، وصرفَه عن معناه الظاهريِّ إلى معنى أخفَى منه ) ) [2] فهذا أمرٌ مرجعُه إلى اللهِ تعالى ومَنْ شاءَ أنْ يُطلِعَه عليه من الراسخين في العلم من عباده [3] . فالتأويلُ بِهذا المعنى شيءٌ، والتفسيرُ شيءٌ آخر.
وقدِ اعتمدَ المفسرون والنحويون التأويلَ بِصورةٍ أُخرى تُرجِعُ النصَّ القرآنِيَّ لا إلى معنى باطنٍ مصروفٍ عن ظاهرِ النص، بل إلى نصٍّ ونظمٍ مزعومٍ تُقدَّرُ فيه كلماتٌ لا وجودَ لَها في النظمِ، فتكونُ هذه الصورةُ، أو هذا النصُّ الأصلُ المزعومُ [4] قد نأى بالنصِّ الثابتِ في المصحفِ الشريف عن دلالتِه التي سيق لَها، واللهُ أعلم، دونَما اعتمادِ التدبُّرِ في المعاني الباطنية في حدودِ ظاهرِ النصِّ فقط. فظاهرُ القرآنِ هو كلامُ الله تعالى، أما ما يُقدِّرُه المفسرون والنحويون، ويؤولونه، ويزعمون نصًّا أصلًا له فهو كلامُهم.
وإنه لَمِن الجرأةِ والتجاوزِ - بِمكان - أنْ يعمِدَ المفسرُ أو النحويُّ إلى آيةٍ أو جملةٍ قرآنيةٍ لتحليلِها وتفسيرِها فيقولَ فيها: والأصلُ فيها هو (كذا وكذا) ، أو يقولَ: فكان الأصلُ فيها (كذا) ثم حَذَفُوا (كذا) ، ناسيًا أو متناسيًا أنه يُحلِّلُ كلامَ الله تعالى، فيُعبِّر بعبارةٍ عن جماعةٍ غائبين توحي بأنَّ القرآن كما سيأتي بيانُه إنْ شاء الله.
ومن أمثلةِ جَعْلِ نصٍّ أصلٍ لكلِّ نصٍّ قرآنِيٍّ يُزعَمُ فيه حذفٌ وتقديرٌ، ما يأتي:
1 -قوله تعالى: [فَنِعِمَّا هِيَ] [البقرة/271] .
قال الكسائيُّ: (( الأصلُ: فنِعْمَ مَا هي. فحَذفُوا(ما) الأخيرةَ اختصارًا )) [5] . وليتَ شعري هل نسِيَ الكسائيُّ عندَما قال: (فحَذَفُوا) أنه يتحدَّثُ عن كلامِ الله تعالى في القرآنِ الكريم، ليتحدَّثَ عن العملِ في لفظِ القرآن مُخبِرًا عن جماعةٍ غائبين نَسَبَ هو إليهم التغييرَ في أصلِ النصِّ في (نِعِمَّا) بدليلِ قولِه: (فحَذفُوا) ؟!!
(1) مناهل العرفان 6:2
(2) مجمع البحرين، فخر الدين بن محمد الطربحي، تح: السيد أحمد الحسيني 311:5.
(3) ينظر: مجموع الفتاوَى 35:5 - 36. والبيان في تفسير القرآن، السيد أبو القاسم الخوئي241:1 - 242.
(4) أقصد بالنص الأصل: زعم نصٍّ وتخيله للنص القرآني الظاهر في المصحف، وكما سيأتي إن شاء الله.
(5) معاني القرآن، الكسائي95. وينظر: لسان العرب 588:12 (نعم) .