أ- استهلَّه بـ (كان) . فمَن أعلمَه أنه كان هكذا، ثم صار إلى ما زعمه؟
ب- تصرَّف بكلامِ اللهِ تعالى، وصرَفه عن وجهِه الظاهر البيِّن، وأقحمَ فيه ما ليس فيه، وما لا يُمكنُ تصورُه!
ت- مَن أوحى إليه أنه (كان) في أصلِ الكلامِ: (فيحصَلُ عقبه دفعةً، فكأنَّما .... ) ؟ وما وجهُ التشبيهِ فيه؟ فهو لا يُشبِّه القولَ: (كن فيكون) ، وإنَّما هو (كن فيكون) . وليس في السياقِ ما يدلُّ على تشبيه!
9 -قوله تعالى: [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً] [الأنفال/25] .
قال الآلوسيُّ: (( أصلُ الكلام:(واتقُوا فتنةً لا تصيبنَّكُم، فإنْ أصابتكم لا تُصيبنَّ الذين ظلمُوا منكم خاصة، بل عمَّتكم) فأُقيمَ جوابُ الشرطِ الثاني مقامَ جوابِ الشرطِ المقدَّر الذي هو نقيضُ الأمرِ لتسبُّبِه عنه )) [1] .
والواقعُ أنه لا يَخطُرُ أدنى ريبٍ في أنَّ النصَّ القرآنِيَّ بِعامةٍ، وهذا النصَّ بخاصَّةٍ في غايةِ الإبداعِ والبيانِ نظمًا ودلالةً. فهو يدلُّ على عدمِ فعل موجباتِ الفتنةِ والبلاءِ، لأنَّ عقابَها وعذابَها يعُمُّ ولا يَخُصُّ. وليس هذا بِمتحقِّقٍ من تصوُّرِ أصلٍ هو: (واتقُوا فتنةً لا تصيبنَّكُم، فإنْ أصابتكم لا تُصيبنَّ الذين ظلمُوا منكم خاصة، بل عمَّتكم) ، والله أعلم. ولِماذا هذا الزعمُ؟! وهلِ النصُّ غامضٌ ومبهمٌ ليحتاجَ إلى هذا الادِّعاءِ المبايِنِ بدلالتِه دَلالةَ النص الأصل؟
10 -قوله تعالى: [فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ] [يونس/24] .
قال محمد محيي الدين عبد الحميد: (( أصلُ الكلام:(فجعلنا زرعَها كالزرْعِ المَحصودِ، فكأنَّ زرعَها لم يلبَث - لم يوجد - بالأمس. فحدثَ في الكلام إيجازٌ، أي: اختصار ) ) [2] .
والنصُّ الكريمُ جزءٌ من لوحةِ تشبيهٍ رائعةٍ للحياةِ الدنيا بالنباتِ الذي ينضَجُ بِموجب مسبباتِ نُموِّه التامةِ، ثم تُفسِدُ أرضَه آفةٌ مدمرةٌ تُزيلُ نضارةَ هذا النباتِ وتُحيلُه حُطامًا، لأنَّها صارتْ مُوبِئَةً [3] ، وهي قولُه تعالى: [إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأََرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ
(1) روح المعاني192:9.
(2) منتهى الإرب في تحقيق شرح شذور الذهب، على هامش (شرح شذور الذهب لابن هشام) 102.
(3) ينظر: الصورة الفنية في المثل القرآني299. وفنون التصوير البياني، د. توفيق الفيل84 و110.