معرفةِ العرب لِهذه الكلمةِ واستعمالِهم لَها، مع الفرْقِ الكبيرِ في دَلالةِ الكلمةِ الواحدةِ بين الآيةِ والبيت تجسَّد في سُؤالاتِ نافعِ بنِ الأزرق لعبدِ الله بنِ عباس (رض) [1] . نحو سؤالِه عن معنى قولِه تعالى: [عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ عِزِينَ] [المعارج/37] : وهل تعرِفُ العربُ (عِزِين) ؟ فقال له ابنُ عباس: نعم أمَا سَمِعتَ عَبيد بنَ الأبرص، وهو يقول [2] :
فجَاؤُوا يُهْرَعُونَ إليه حتَّى ... يكُونُوا حَوْلَ مِنْبَرِهِ عِزِينا
فبيَّن له أنَّ معنى (عِزِين) هو: حَلَقُ الرِّفاق.
ومِما فُسِّرَ به الغريبُ، قولُ الشاعر [3] :
أَقولُ لَهم بالشِّعْبِ إذْ يأسُرونَني ... أَلَمْ تَيأسُوا أَني ابنُ فارِس زَهْدَمِ
فقد فُسِّرَ به (أَفَلَمْ يَيْئَس) في قوله تعالى: [أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا] [الرعد/31] . (( ومعناه - فيما قاله المفسرون: أفَلَم يَعْلَم. وهي لغةُ النَّخْع، وهَوازن ) ) [4] .
ومن الجدير بالذكْر الإشارةُ إلى أنَّ من أسبابِ استشهادِ النحويين بالشعر عند عرْضِ أُسلوبٍ ورد في القرآنِ الكريم، الدلالةَ على أنَّ ذلك ليس مقتصِرًا على القرآنِ، وإنما هو أُسلوبٌ واردٌ في اللغةِ مألوفٌ عند العرب. وحينئذٍ لا يكونُ الشاهدُ حجةً للقرآنِ، وإنما يُذكر للاستئناسِ فقط.
إن اعتمادَ التقديرِ منهجًا في توجيهِ النصِّ القرآنيِّ يَعدِلُ بدَلالةِ هذا النصِّ كما هي جليةٌ أو مُمكنةٌ من ظاهرِه، إلى دلالةٍ مركبةٍ من هذا الظاهرٍ ومن غيرٍه مِما يُزعَم في النصِّ زعمًا واجتهادًا، وهي دلالةٌ مغايرةٌ لِما يُدركُ من باطن النصِّ في حدودِ ظاهرِه كما هو في النصِّ القرآني، (( وهذا المنهجُ اللغويُّ القديمُ مِمَّا لا يَرضاه البحثُ العلميُّ الجديدُ، فهو ذهابٌ في المجهول ) ) [5] ، وقولٌ بالحدْسِ والظنِّ ((
(1) ينظر: الكامل في اللغة والأدب164:2 - 167. وإيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل، أبو بكر ابن الأنباري، تح: محيي الدين رمضان76 - 98. والإتقان347:1 - 377.
(2) لم أجده في ديوانه. وينظر: الدراسات اللغوية عند العرب إلى نهاية القرن الثالث، محمد حسين آل ياسين148.
(3) هو سُحيم بن وثيل اليربوعي. ولم أجده في ديوانه.
(4) شرح قطر الندى 69.
(5) الفعل: زمانه وأبنيته، د. ابراهيم السامرائي125.