والحقيقةُ أن ثَمة فرقًا جليًّا بين قولِه تعالى: [وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ] ، وبينَ قولِ القيسيِّ: (توفَّنا أبرارًا مع الأبرار) . فهذا النصُّ من قولِه تعالى: [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ .... رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ] [آل عمران/190 - 193] . فالنصُّ زاخرٌ بعبارةِ الخضوعِ والخشوعِ والوَجَل والدعاءِ الخالصِ المُفعَم بالتذلُّلِ والتصاغُرِ في حضرةِ الباري عز وجل، وهي: (ربَّنا .... ) وما يتبعُها من حقيقةٍ يُقرُّها أولو الألبابِ، أو جزاءٍ يطلبونه، وهم بِهذا الخضوعِ والتذللِ يطلبونَ أنْ يُتوفَّوا مع الأبرار تواضعًا منهم وإبداءً لِما يُقرُّونَ به من أنهم دونَ درجةِ الأبرار. فهم - لتواضعِهم الكبير هذا - يدعون أنْ يكونوا مِنْ مَعيَّتِهم، وهي مَعيَّةٌ ذاتُ شأنٍ جليلٍ سامٍ.
وأودُّ هنا الإشارةَ - من باب التمثيل، ولله المثلُ الأعلى - إلى أنَّ أحدَنا لو قال: (ذهبتُ مع الفائزين) ، أو (اذهَبْ بي مع الفائزين) . فهذا لا يعني أنَّ المتكلمَ (الذاهب) منَ الفائزين، بل - لسببٍ ما يُقرِّبُهُ منهم - هو من مرافقيهم. فـ (أولو الألباب) في النصِّ الكريم دعَوا اللهَ تعالى بِما يُبيِّن تواضعَهم واستحياءَهم، وهم يدعُون ربَّهم. وهذا ما لا يتحققُ بِما قُدِّر في النصِّ. فـ (توفَّنا أبرارًا) لا شيءَ فيه من هذا التواضع والتصاغُرِ في حضرةِ الباري عز وجل، واللهُ أعلم.
ومعلومٌ أنه لا نسبةَ تُذكَرُ بين القرآن الكريم، والشعر العربي، كي نُجوِّزَ توجيهَ نصٍّ قرآنيٍّ - تقديرًا وزعمًا - في ضوءِ بيتٍ شعريٍّ، فـ (( نظْمُ القرآنِ جنسٌ متميِّزٌ، وأُسلوبٌ متخصِّصٌ، وقبيلٌ عنِ النظرِ متخلِّص ) ) [1] ، ولو تسمَّحنا - جدلًا - بقبول هذه التأويلاتِ لوجدنا أنَّ دَلالاتِ النصوصِ القرآنيةِ المذكورةِ، وسواها، لن تعودَ كما هي مُستقاةٌ من حدودِ هذا الظاهرِ المعجِز. لذا فلا وجهَ لِهذا التأويلِ، ولا وجاهةَ في الاستنادِ إلى بيتٍ من الشعرِ لتأويلِ آيةٍ من الذِّكْر.
نعم، لا بأسَ ببيانِ غريبِ لفظٍ، ومعنى كلمةٍ - وردت في نصٍّ قرآنيٍّ - لم يَعرِف ولم يَفهَم القارئُ أو السامعُ معناها، ولا مدى استعمالِ العربِ لَها في الجاهليةِ أو قبلَ نزولِ القرآنِ في ضوءِ بيتِ شعريٍّ. فهذا لا يعني توجيهَ النصِّ القرآنيِّ في ضوءِ البيتِ الشعريِّ من جهةِ نظمِه، وزعْمِ مَحذوفٍ فيه حَمْلًا على ذلكَ البيت. وقد تجسَّد هذا الحمْلُ الجائزُ من بيانِ معنى كلمةٍ في آيةٍ على بيتِ شعرٍ، وبيانِ مدى
(1) إعجاز القرآن159:1.