وبه قال القرطبيُّ، إذ ذهب إلى أنَّ: (( الجوابَ محذوفٌ تقديرُه:(لكان هذا القرآنُ) ، لكن حُذِفَ إيجازًا لِما في ظاهرِ الكلام من الدَّلالةِ عليه، كما قال امرؤُ القيس [1] :
فلو أنَّها نفْسٌ تَموتُ جَميعةً ... ولكنَّها نفْسٌ تُساقِطُ أنفُسا
يعني: لَهان عليَّ )) [2] .
والراجحُ أنَّ عبارةَ (لكان هذا القرآنُ) تُوحي - مهما أُوِّلَت - بأنَّ ثَمة أكثرَ من قرآنٍ، ولكنَّ الإشارةَ قد خُصِّصت إلى القرآنِ الذي بين أيدينا.
وتجدُرُ الإشارةُ إلى أنَّ هذا التقديرَ غيرُ مقبولٍ عندَ الزركشي الذي ذهب إلى أنه تقديرٌ (( مردودٌ لأنَّ الآيةَ ما سِيقت لتفضيلِ القرآنِ، بل سِيقت في معرضِ ذمِّ الكفار، بدليلِ قولِه [تعالى] قبلَها: [وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ] [الرعد/30] ) ) [3] . ودلالةُ اكتفاءِ النصِّ بـ (لو) وشرطِها فقط، دونَما ذكْرِ جوابٍ لـ (لو) ، إنَّما تُشيرُ إلى معجزاتٍ يستحيلُ التفكيرُ بها عند البشرِ، فكيف بتحقيقِها؟ وهي: (تسييرُ الجبال) و (تقطيعُ الأرض) و (تكليمُ الموتى) فهي معجزاتٌ لا يقدِرُ عليها إلاَّ اللهُ تعالى، ولم يُطلِع خلقَه على مفاتِحها - إلاَّ مَنْ شاء - لذا اكتفى النصُّ الكريمُ بِما هو عليه، وللإذعانِ لـ [بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا] .
وقولُه تعالى: [وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ] [آل عمران/193] . فقد ذهب مكي بنُ أبي طالب القيسي إلى أنَّ ثَمة مَحذوفًا متعلِّقًّا به الظرفُ (مع) ، والتقديرُ: (( توفَّنا أبرارًا معَ الأبرار، [كقول النابغة الذبياني[4] :
كأنَّكَ مِنْ جِمالِ بَني أُقَيْشٍ ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيه بِشَنِّ
أي: كأنكَ جَمَلٌ من جِمالٍ بني أُقيشٍ )) [5] .
(1) ديوان امرئ القيس118 (ط/ دار صادر) . ولم أجده في ديوانه المطبوع بتحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم.
(2) تفسير القرطبي319:9.
(3) البرهان184:3.
(4) ينظر: ديوان النابغة الذبياني زياد بن معاوية، تح: محمد أبو الفضل ابراهيم126. والكتاب363:2 (ط/ د. إميل) . والمقتضب138:2. وخزانة الأدب67:5.
(5) مشكل إعراب القرآن184:1.