يتضحُ من توجيهِ النحاسِ - هذا - أنَّ مسألةَ التشبيهِ والمزْجِ بينَ تحليلِ الآيةِ الكريمةِ وتحليلِ البيت الشعريِّ - في هذا الموضع وغيره - أمرٌ في غايةِ البساطةِ والجَواز، وأنَّ تخريجَ بيتِ الشعرِ بِمستوى تخريجِ الآيةِ دونَما تنبُّهٍ من النحاسِ إلى الجرأة الكبيرة، ومجاوزة الحد في تقديره: (مخافة أن تزولا) في الآيةِ، كما في تقديرِه: (مخافةَ أنْ أُفَرِّطَ) في البيت، أمرٌ ميسورٌ ومطَّرِدٌ ولاغبارَ عليه!! فمِمَّ ومِمَّنْ تكونُ هذه المخافةُ أو هذا الخوفُ من زوالِ السمواتِ والأرضِ، وهما مَمسوكان بِمشيئةِ الله تعالى، مدبِّرِ الأكوانِ والخلائق؟!
وقولُه تعالى: [وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا] [الجمعة/11] . فقد ذهبَ معظمُ المفسرين إلى أنَّ تقديرَ هذا المقطعِ من الآية الكريمة هو: (إذا رأوا تجارةً انفضُّوا إليها أو لَهْوًا انفضُّوا إليه) فحُذِفَ أحدُهما، وهو: (انفضُّوا إليه) لدَلالةِ الآخرِ عليه، وهو [انفَضُّوا إِلَيْهَا] [1] . مستندًا بعضُهم في مذهبِه هذا إلى قولِ الشاعر:
نحنُ بِما عِندَنا وأنتَ بِما ... عندَكَ راضٍ والرَّأيُ مُختَلِفُ [2]
أي: (نحن بِما عندَنا راضُون) اكتفاءً بقولِه: (راضٍ) الدالِّ على (راضون) المحذوفة. وقد استَوفَيْتُ التحليلَ في دَلالةِ اكتفاءِ النصِّ بـ (انفضُّوا إليها) ، والعدولِ بِهذه الدلالةِ عمَّا يُرادُ منها التزامًا بِهذا الزعْمِ والتقدير، مبينًا مُجانبةَ الصوابِ بِهذا الزعم [3] .
وقولُه تعالى: [وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا] [الرعد/31] . فقد ذهبَ - فيه - الزملكانيُّ إلى أنَّ التقديرَ هو (( لكان هذا القرآن ) ) [4] .
(1) ينظر مثلا: مجمع البيان73:28 - 74. والتفسير الكبير11:30. وتفسير البيضاوي493:2. وتفسير النسفي256:4. وفتح القدير227:5. والميزان في تفسير القرآن274:19. ومختار تفسير القرطبي، توفيق الحكيم829.
(2) نُسب البيت إلى قيس بن الخطيم. ينظر: ديوان قيس بن الخطيم، تح: ناصر الدين الأسد239. والمقاصد النحوية، محمود العيني1557. ونسب إلى عمرو بن امرئ القيس الأنصاري. ينظر: شرح أبيات سيبويه، السيرافي279:1. وشرح شواهد الإيضاح، عبد الله بن بري، تح: عبيد مصطفى درويش128. ولسان العرب45:5 باب الفاء (فجر) . وهو بلا نسبة في: الصاحبي في فقه اللغة218. ومغني اللبيب622:2. وشرح الأشموني، نور الدين الأشموني، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد453:1. وهمع الهوامع109:2.
(3) ينظر: الصحف (95 - 101) من هذا البحث.
(4) البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن242.