الصفحة 149 من 197

وقولُ القائلِ [1] :

فَلاَ تَلْحَنِي فيها، فإِنَّ بِحُبّها ... أخاكَ مُصابُ القَلْبِ جَمٌّ بَلابِلُه

شاهدًا على تقديمِ معمولِ خبرِ (إنَّ) وهو قولُه: (بِحُبِّها) على اسمِها وهو قولُه: (أخاكَ) ، وخبرِها وهو قولُه: (مُصابُ القَلْبِ) .

ومنها قولُ القائل [2] :

إِنَّ أباها وأبا أباها ... قدْ بلَغَا في المَجْدِ غايتَاها

شاهدًا على أنَّ من لغاتِ الأسماءِ الخمسةِ والمثنى ما يكونُ بالألفِ مطلقًا، وتُسمَّى لغةَ (القصْر) ، وفيها يكونُ إعرابُ الأسماءِ الخمسةِ نحو كلمة (أباها) - في نِهاية صدْرِ البيت - و (غايتاها) بالحركاتِ المقدَّرة (بالكسرة المقدَّرةِ تحتَ الألف في كلمةِ(أباها) لأنه مضافٌ إليه، وبالفتحةِ المقدَّرةِ فوقَ الألف في كلمةِ (غايتاها) لأنه مفعولٌ به). وهو أمرٌ ظاهرُ التمحُّلِ والتكلُّفِ وإرادةِ التفريعِ والكَدِّ الذهنيِّ والرياضةِ الفكرية! نعم، لو ثبتَ أنه لغةٌ فلا اعتراضَ عليه في ضوءِ توكيدِ اسمِ قائلِه، كي يَصِحَّ عدُّه لغةً بالنسبةِ إلى قائلِه المشهور قبيلتُه بِهذه اللغة.

وعن هذا البيتِ وقصيدتِه كلِّها قال أبو حاتم السجستاني: (( سألتُ عن هذه الأبياتِ أبا عبيدةَ فقال: انقُطْ عليهِنَّ! هذا من صنْعَةِ المفضَّل ) ) [3] . وعن هذه الأبياتِ وما شابَهَها - وهو كثير- قال السيوطيُّ: (( وقد وضعَ المولدُون أشعارًا ودسُّوها على الأئمةِ، فاحتجُّوا بِها ظنًّا أنَّها للعرب ) ) [4] .

وغير ذلك من الثوابتِ التي زخرت بِها كتبُ اللغةِ والأدب، مِما لا مَجال لذكره بشكلٍ أوسعَ مِما مرَّ، فغايةُ ما أردتُ من ذكْرِ ما سلَفَ من موقف النحويين واللغويين من الشعرِ بيانُ الضعْفِ المطلَقِ في موقِفِ النحويين الذين يُقدِّرون في الجملةِ القرآنيةِ (محذوفًا مزعومًا) قياسًا على بيتِ شعرٍ يتراءَى للمقدِّرِ الزاعِمِ أنَّ ثَمة قُرْبًا نَظْمِيًّا بينَه وبينَ النصِّ القرآنيِّ، مِما يدفعُه إلى تأويلِ النصِّ القرآنيِّ الكريم، وهو كلامُ الخالقِ تعالى، في ضوءِ بيتٍ شعريٍّ، وهو كلامُ المخلوقِ الذي فيه ما فيه مِما مرَّ ذكرُه.

فمن ذلك - على سبيل المثال، لا الحصر - قولُه تعالى: [طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ] [محمد/21] . فقد ذهبَ من تناولَ هذه الآيةَ بالتحليلِ النحويِّ إلى أنَّ فيها محذوفًا، واستدلَّ على تقديرِه ببيتٍ

(1) ينظر: الكتاب280:1 (ط/ بولاق) . والمقرب119:1. وشرح ابن عقيل137:1.

(2) ينظر في اضطراب نسبته: شرح ابن عقيل51:1 (الهامش) .

(3) شرح شواهد المغني، جلال الدين السيوطي، تصحيح: الشنقيطي47. وينظر: النوادر في اللغة، أبو زيد الأنصاري، نشر: سعيد الشرتوني164.

(4) الاقتراح في علم أصول النحو 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت