الصفحة 148 من 197

لقد نبَّه الدكتور نعمة رحيم العزاوي على حقيقةٍ ثابتةٍ يَجبُ ألاَّ يُتَغَاضَى عنها، هي أنَّ (( للعربيةِ أنحاءً مختلفةً. فواحدٌ للنثرِ، وآخرُ للشعرِ، وثالثٌ للقرآن ) ) [1] ، ينبغي عدمُ الخلْطِ بينها، أو عَدَمُ دراسةِ واحدٍ منها في ضوءِ معطياتِ الميدانَين النحويَّين الآخَرين. نعم، يُمكنُ الاستشهادُ بالآيةِ القرآنيةِ أصلًا للقاعدةِ النحويةِ، بالدرجةِ الأُوْلى، فإذا اطَّردت هذه القاعدةُ في بيتٍ شعريٍّ، استُشْهِدَ بِهذا البيتِ إعلاءً لشأنِ الشاهدِ الشعريِّ نفسِه فقط، ولبيانِ استعمالِ العربيِّ - على سليقته - أفصحَ اللغاتِ والتراكيبِ، وبيانِ مُجاراة الشاعرِ واقتدائِه بنظم القرآن. فإذا استُشْهِدَ بالآيةِ الكريمة دونَما عثورٍ على بيتٍ شعريٍّ يحمِلُ شكْلَ نظمِها، فهذا يعني تفرُّدَ القرآنِ - وهو كذلك - بطرُقِ التعبير، وسُمُوَّه على ما سواه من ميادين التعبير الأُخرى.

4 -ثَمة شواهدُ مصطنعةٌ، مجهولةُ القائلِ، مُتكلَّفٌ في وضعِها ونظْمِها، لا أثرَ فيها من الشعرِ سوى النظم (الوزن والقافية) . تدلُّ بنظمِها، وأُسلوبِها، وما تنطوي عليه من معانٍ على أنَّها قد وُضِعَت لتسويغِ قاعدةٍ ذُكِرَت ثم ثَبَتَ خطؤُها، أو ضعفُها بسببِ آيةٍ أو جملةٍ قرآنية، أو أنَّها وُضِعَت على مثالٍ نحويٍّ تَمثيليٍّ تعليميٍّ مصطَنَع، ولم يعثُرْ له النحويُّ المقعِّدُ على شاهدِ نثريٍّ، أو شعريٍّ سليمٍ يعضده [2] .

فمن هذه الشواهدِ - على سبيلِ المثال، لا الحصر:

قولُ القائلُ [3] :

فَلاَ وأَبي دَهْمَاءُ زالَتْ عزيزةً ... علَى قومِها ما فَتَّلَ الزَّنْدَ قادِحُ

شاهدًا على مَجيء (زال) ، وهي من أخواتِ (كان) مجردةً عن حرْفِ نفيٍ لازمٍ قبلَها، كما في القواعدِ النحويةِ المستقراة.

وقولُ القائل [4] :

أمَا واللهِ أنْ لَو كُنْتَ حُرًّا ... ومَا بالحُرِّ أنتَ ولا القَمِينِ

شاهدًا عل تقديم خبرِ (ما) ، وهو مقترنٌ بـ (الباء) على اسمِها.

(1) مناهج البحث اللغوي140. وينظر: مدخل إلى علم اللغة، د. محمود فهمي حجازي23.

(2) ينظر: المرتجل، ابن الخشاب، تح: علي حيدر33 (المقدمة) . وملامح من تاريخ اللغة العربية59. وفصول في فقه اللغة، د. رمضان عبد التواب73. والنحو العربي: نقد وبناء69.

(3) ينظر: المقرب103:1. ومغني اللبيب439:2. وخزانة الأدب45:4.

(4) ينظر: المقرب113:1. والإنصاف200:1. ومغني اللبيب31:1. وخزانة الأدب133:2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت