بِمحذوف تقديرُه: (أسبابُ) يقتضِيه المعنى لتستقيمَ العبارةُ. فمَجِيءُ الأسبابِ لا يَمنع من القولِ بِهذه الأُمنية.
والراجحُ أنَّ النصَّ لا يَحتاجُ إلى القولِ بِهذا الزعْمِ أبدًا، لأنَّ التعبيرَ بالفعْلِ (جاء) - واللهُ أعلم - يُفيدُ التدريجَ والتتابُعَ. فالموتُ لم يقَعْ بعدُ، إلاَّ أنه بدلالةِ الفعْلِ (جاء) قدْ بلغَ درجةَ التحقُّقِ والوقوعِ بعدَ هذا التدريجِ والتتابُعِ. وقولُ مَنْ جاءَه الموتُ - هنا - إنَّما يَحصَلُ في أثناءِ هذا المَجيء، أيْ: في أثناءِ هذا التدريجِ وهذا التتابُعِ، لذا فليسَ بِمنكَرٍ أو مستحيلٍ وقوعُ هذا القولِ مع ضميمةِ الفعْل (جاء) . فهذا الفعلُ - كما أشرْتُ - لا يَدلُّ على وقوعِ الموتِ وانقضائِه. ولذلك لم يَرِدِ النصُّ بضميمةِ الفعْل (مات) - مثلًا - أي: (حتى إذا ماتَ أحدُهُم) ، لأنَّ دلالةَ هذا الفعْلِ تنفي وقوعَ هذا القول، وهو ما يتطابقُ ومذهبَ القيسيِّ في المعنى، واللهُ أعلم.
قال الطبرسي: (( يعني أن هؤلاء الكفار إذا أشرفوا على الموت سألوا الله عند ذلك الرجعةَ إلى دار التكليف، فيقول أحدهم: ربِّ ارجِعُونِ ) ) [1] .
ومِما حُمِل على التقدير بعلةِ اقتضاءِ المعنى قولُه تعالى: [وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ] [آل عمران/28] . فقد ذهبَ الزجَّاجُ إلى أنه يَجبُ تقديرُ كلمةِ (عقابَ) ، فالمعنى: (( عقابَ نفسِه. [في حين] قال غيرُه: لا حذف هنا ) ) [2] . والراجحُ أنَّ ما في النصِّ من تخويفٍ، وتَهويلٍ، وتعظيمٍ، وتحذيرٍ لا يستدعي القولَ بِهذا الزعم، إذ يُبعِد هذا التقديرُ النصَّ عن هذا التخويفِ، والتهويلِ و ... فشتَّانَ ما بين (تحذير اللهِ نَفْسَه) وهي عبارة زاخرة ومشحونة بِما يردعُ ويُهوِّلُ بدلالة (يُحَذِّرُكُمْ .. نفسَه) ، أو (نفسَه) بخاصَّةٍ وبين (عِقابَ نفسِه) المزعومة!
وإعراضًا عن قبولِ هذا التقديرِ الذي يعدِل بِهذه الدلالةِ ذهبَ الشريفُ المرتضى إلى أن (( النفسَ - أيضًا - العقوبةُ. من قولِهم: أُحذِّركَ نفسِي. أي: عقوبتي .... كأنه: يُحذِّركُم عقوبتَه ) ) [3] . وقولُه تعالى: [وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ] [آل عمران/28] بنظمِه - كما هو- إنَّما هو (( تَهديدٌ عظيمٌ مشعِرٌ بتناهي المَنْهِيِّ في القُبح. وذكَرَ(النفس) ليُعلَمَ أنَّ المُحذَّرَ منه عقابٌ يصدُرُ منه فلا يُؤْبَه دونَه بِما يحذر من الكفرة )) [4] .
(1) بحار الأنوار210:6.
(2) التبيان في إعراب القرآن130:1.
(3) أمالي المرتضى (غرر الفوائد ودرر القلائد) ، تح: محمد أبو الفضل ابراهيم326:1.
(4) بحار الأنوار332:67.