ومِما قُدِّر فيه بحجةِ اقتضاء المعنى قولُه تعالى: [إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ] [آل عمران/175] . إذ رأى فيه ابنُ الشجريِّ وجوبَ تقدير حرف الخفضِ (الباء) ، (( أي: بأوليائِه، لأنَّ المعنى:(يُخوِّفكُم بِهم) . ويدلُّكَ عليه قوله [تعالى] : [فَلاَ تَخَافُوهُمْ] [آل عمران/175] )) [1] .
والراجحُ أنَّ دَلالةَ قولِه تعالى: [يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ] [آل عمران/175] إنَّما تَرمي إلى بيانِ سَطوةِ الشيطانِ على كلِّ مَنْ تولاَّه واتَّبعه وكان من مواليه. فهم أنفسُهم خائفون منه. وبالتالي فإنَّ سَطوةَ أوليائِه ووسوسَتَهم لِخلْقِ الله من الإنسِ والجنِّ تكونُ شديدة كشدَّةِ سطوةِ الشيطانِ نفسِه. فتخويفُه أولياءَه شديدُ الوقْعِ عليهم. وبالمُحصِّلةِ يكونُ تخويفُهم غيرَهم شديدَ الوقْع أيضًا، إن لَّم يكن أشدَّ، واللهُ أعلم.
وقوله تعالى: [فَلاَ تَخَافُوهُمْ] [آل عمران/175] مصداقٌ لِهذه الدلالةِ وتوكيدٌ لَها. أي: أَنَّ الشيطانَ له سلطةُ بطشٍ مطلقةٌ على أتباعِه وأوليائِه، وهو مصدرُ خوفِهم المطلق. لقولِه تعالى: [يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ] [آل عمران/175] . وهؤلاءِ الأولياءُ بدورهم يُخوفون مَنْ سواهم من خلقِ الله الذين أُيِّدُوا وعُزِّروا ونُبِّهوا على عدمِ الانصياعِ لأهواءِ الشيطانِ وأوليائِه بقوله تعالى: [فَلاَ تَخَافُوهُمْ] ، لا أنَّ الشيطان يُخوِّف خلْقَ الله بأتباعِه ومواليه في هذا النص تحديدًا. إلاَّ أنه أمر مسلَّمٌ به في غير دلالةِ هذه الآية الكريمة، والله أعلم.
ولعلَّ فيما ذكرتُه شواهدَ على هذه العلةِ للتقدير ما يكفي، التزامًا بعدم الإطالة، واعتمادًا على تَمام الفكرة بِما ذُكِر. وأرى أنَّ تسميةَ هذا النوعِ من العِلل بـ (ما يقتضيه المعنى) [2] ، ولاسيما في القرآن الكريم، فيه من التجاوز الشيءُ الكبير، كما هو واضحٌ من تعليلاتِ المفسرين والنحويين وتقديراتِهم.
إنَّ المعاني القرآنيةَ ساميةٌ متكاملةٌ لأنَّها [مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ] [النمل/6] لا يعتَوِرُها نقصٌ. فالنصُّ القرآنيُّ بألفاظِه المذكورةِ دالٌّ على المُرادِ بِما يُغني عن تقديرِ مَحذوفٍ مزعومٍ. فلا صوابَ في القولِ: بـ (ما يقتضيه المعنى) ، فالإعجازُ القرآنيُّ، والعجزُ أمام أسرارِ معانيه يُجيءُ - لا قهرًا ولا فرضًا
(1) الأمالي الشجرية 46:1. وينظر فيه: 186:1.
(2) ينظر: التقدير وظاهر اللفظ، د. داود عبده 14. ونظرية النحو العربي، د. نهاد الموسى 78.