الصفحة 134 من 197

ومن ذلك قولُه تعالى: [وَجَاءَ رَبُّكَ] [الفجر/22] ، وقولُه تعالى: [فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ] [النحل/26] . وعنهما قال ابنُ هشام: (( أي: أمرُه، لاسْتِحالةِ الحقيقي ) ) [1] .

والواقعُ أنَّ قولَه تعالى: [وَجَاءَ رَبُّكَ] - كما يقولُ الإمامُ عليٌّ (عليه السلام) - (( حقٌّ، كما قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ، وليسَ له جِيئةٌ كجِيئةِ الخلْق ) ) [2] . فحَمْلُ المَجيء، إذًا، على المَجاز أولى من تصورِه على الحقيقة التي لا يَراها مُستقيمٌ عاقلٌ مدرِكٌ. ولكنه - مَجازًا - لازمٌ دونَما تقديرٍ مزعومٍ، لأنَّ المرادَ به - واللهُ أعلم - التفخيمُ والتهويلُ والتعظيمُ [3] .

فلو أننا أردْنا أنْ نُخوِّفَ جيشًا حصلَ عند بعضِ أفرادِه، أو عند معظمِهم تجاوزٌ يَستوجبُ التوجيهَ، أو الإرشادَ، أو العقابَ الشديدَ، وهذا الجيشُ يُدركُ مدَى سَطْوةِ آمِرِه وقائِدِه، وشدَّةِ بطشِه - لو بَطشَ - في المذنبين المقصِّرين، لقُلنا لهؤلاءِ: جاءَ الضابطُ، أو الآمِرُ، أوِ القائدُ، أوِ الرئيسُ، تحقيقًا لبَثِّ الرهبةِ والهولِ في نفوسِهم الضعيفةِ، حتى إنْ لم يكن هذا القائدُ قدْ جاء في الحقيقةِ، بل للعلم بأنَّ الانضباطَ المطلقَ والوَجَلَ الكبيرَ يتحققُ بِمجرَّدِ هذا الإخبارِ من غير ما وُجودٍ لواقعِه في الخارج. هذا ما نُقرِّبُ به، ونلمحُه نحنُ من كلامنا القاصر وتشبيهنا البسيط، فكيف بكلام اللهِ تعالى، ولله المثل الأعلى.

أمَّا قولُه تعالى: [فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ] [النحل/26] ، فيُراد منه - واللهُ أعلم: (( إرسالُ العذاب عليهم ) ) [4] . وفيه من التعظيمِ والتهويلِ والشدةِ ما لا يتحققُ من عبارة التقديرِ المزعومِ: (أمرُ اللهِ ... ) .

ومِما أُدرِج تحت هذه العلةِ فقُدَّرَ فيه محذوفٌ، قولُه تعالى: [حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ] [المؤمنون/99 - 100] .

لقد ذهب مكي بنُ أبي طالب القيسيّ إلى أنَّ: (( القولَ لا يكونُ منه بعدَ الموتِ، ولكنَّ معناه: حتى إذا جاءَ أحَدَهُم أسبابُ الموت ) ) [5] ، بتفسيرِه قولَه تعالى: [جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ] بأنه وقَعَ، وقدِ انتقَل المتوفَّى بسببِه إلى العالم الآخر. وهذا أمرٌ لا يُمكِّنُ صاحبَه من القولِ أبدًا. لذا عَمِد إلى القولِ

(1) مغني اللبيب623:2.

(2) التوحيد، الشيخ الصدوق266. وينظر: الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي، تح: محمد باقر الموسوي25:1.

(3) ينظر: بحار الأنوار124:7.

(4) التوحيد266.

(5) مشكل إعراب القرآن241:1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت