ومِما قُدِّر فيه لهذه العلةِ , قولُه تعالى: [مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] [البقرة/261] . فقد ذهب العكبريُّ - فيها - إلى أنَّ (( في الكلام حذْفَ مضافٍ تقديرُه:(مَثَلُ إِنْفاقِ الذينَ يُنفقون) , أو (مَثَلُ نَفَقَةِ الذين يُنفقُون) . و (مَثَلُ) مبتدأٌ , و (كَمَثَلِ حبَّةٍ) خبره. وإنَّما قُدِّرَ المَحذوفُ لأنَّ (الذين يُنفقُون) لا يُشبَّهون بـ (الحبة) ، بل: إِنفاقُهم أو نفقتُهم )) [1] .
وليتَ شِعْري لماذا يَذهبُ العكبريُّ هذا المذهبَ؟ أوَليس النصُّ قد عَقَدَ علاقةَ تشبيهٍ رائعةٍ بينَ (الذين يُنفقُونَ ... ) وبين (حبةٍ أنبتَتْ ... ) ؟! لا أنه أرادَ أنَّ هؤلاءِ هُمُ الحبةُ. وهذا قولٌ عجيبٌ من العكبريِّ!!
لقد بدأ النصُّ بـ (مَثَل) وهو مبتدأٌ. فالغايةُ , إذًا , التشبيهُ، لا الحقيقةُ المطلقةُ , وأُخبِرَ عنه بـ (كَمَثَل) , وهو للمشبَّهِ به المثاليِّ الذي (( لا يُلْزِمُ أنْ توجدَ حبةٌ بِهذه الصفةِ. إنَّما المقصودُ تصويرُ زيادةِ الأجر لا غير ) ) [2] .
والمثَلُ القرآنيُّ (( يكشِفُ المعاني ويوضِّحُها، لأنه بِمنزلة التصوير والتشكيل لَها ) ) [3] . فالغايةُ منه أنه (( يكشِفُ العلاقةَ القائمةَ بينَ التخيُّلِ والواقع ... ويربِطُ المجرَّدَ بالمادَّةِ ... [وهو] تعبيرٌ عنِ الذِّهْنيِّ بالمتجَسِّد ) ) [4] .
وإذا كان المعنى يقتضِي - عند العكبريِّ - تقديرَ (مَثَلُ إِنْفاقِ , أو مَثَلُ نَفَقةِ) , فإنَّ هذا الزعْمَ بِهذا التقدير يَعدِلُ بالنصِّ إلى دلالةٍ أُخرى , فالراجحُ - واللهُ أعلم - أنَّ المرادَ إنَّما هو تشبيهُ [الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] - وهم بذلكَ يستحقُّون عطاءَ ربِّهم والإغْداقَ عليهم بأكثرَ مِما يُعطُون، لأنَّ ما كان للهِ يَنمُو - بِما يكونُ نِتاجُهُ أكثرَ منه، وهو أصلٌ له، فكأنَّ المنفِقَ وهو يُعطي للهِ ليزدادَ بأكثرَ مِما أَعطَى، حبَّةًً - تشبيهًا، لا حقيقةً - تُعطِي أكثرَ منها هي نفسِها. وهذه دلالةٌ لا تتحصَّلُ من تقدير: (مَثَلُ إنفاقِ الذينَ، أو مَثَلُ نفقَةِ الذين .... ) ، واللهُ أعلم.
(1) التبيان في إعراب القرآن111:1.
(2) الفوز الكبير في أُصول التفسير، أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، تر: محمد منير الدمشقي29.
(3) الكشاف3:1.
(4) الصورة الفنية في المثل القرآني، د. محمد حسين الصغير14.