وقد ذكر الآلوسيُّ مجملَ الآراء في هذه الآية الكريمة بقولِه: (( والكلامُ على حذفِ مضافٍ أي:(حُبُّ العجْلِ) ، وجوَّز (كذا) [1] أنْ يكونَ (العجل) مَجازًا عن صورته، فلا يُحتاجُ إلى الحذف. وذِكْرُ القلوبِ لبيان مكانِ الإشراب، وذكْرُ المحلِّ المتعيَّنِ يفيدُ مبالغةً في الإثبات .... وقيل: (أُشربوا) من: أَشربْتُ البعيرَ، إذا شدَدْتُ في عنقِه حبلًا، كأنَّ (العجل) شُدَّ في قلوبِهم لشغفِهم به .... وقيل: مِنَ الشُرْبِ حقيقةً )) [2] . والراجحُ أنَّ الذهابَ إلى أنَّ في النصِّ مَحذوفًا تقديرُه (حُبُّ) كما مرَّ أمرٌ مردودٌ، إذ لا ذكْرَ فيه للمحبةِ، والمحبةُ - أصلًا - لا تُشربُ، وأنَّ الذهابَ إلى أنه من الشربِ حقيقةً أمرٌ مردودٌ أيضًا، فكيفَ يُمكنُ أنْ يُحوَّلَ هذا العجْلُ الجسَدُ إلى ما يُشبهُ السائلَ الذي يَسيغُ شرابُه؟!
فالشُّربُ - كما في الآيةِ، واللهُ أعلم - شُربٌ مجازيٌّ لا حقيقيٌّ للعِجلِ نفسِه كما في النصِّ، ولا لحبِّه كما في الزَّعم، يفيدُ بيانَ شدَّةِ تعلُّقِهِم بِهذا العجلِ، حتى صار عندهم كالسَّقيِ الذي يَروي، ولا شيءَ يُمكنُ أنْ يَرويَ فتصيبَ بسببِه الدَّعةُ والانتعاشُ ذلك الشاربَ كالسَّقْيِ الذي يصلُ أثرُه المعنويُّ إلى القلبِ. وهذا يبيِّنُ مدى إيمانِهم بِما صُنع لَهم.
إنَّ ذكرَ كلمةِ (العجْل) في النصِّ الكريم فيه من الذَّمِّ الكبير والتبكيتِ اللازم والحطِّ من شأنِ هؤلاءِ المضلَّلِين ما فيه. فأيُّ وزْنٍ هذا الذي يكونُ عليه الإنسانُ وهو يعبُدُ (عِجْلًا) ؟! وهو يعلَمُ أنه (عجْلٌ) ! أو تِمثالٌ على هيأةِ ما لا يَملِكُ لنفسِه نفعًا، ولا ضَرًّا، ولا موتًا، ولا حياةً، ولا نشورًا ويتبرَّزُ، ويتبوَّلُ ويأكلُ من حشائِش الأرض، ويُذبَحُ ليؤكلَ، ويُساقُ ويُضرَب للعمل عليه!! وهؤلاءِ على مرأى ومسمع من آياتِ الله تعالى التي جاء بِها أو هدَى إليها النبيُّ موسى (عليه السلام) .
وعلى الرغمِ من اتِّخاذِهمُ (العجلَ) من حُِلِيِّهم، وكونِه ثمينًا عندهم، وانصرافِهم إلى عبادتِه عن عبادةِ اللهِ تعالى، فإنَّ هذا لا يعني تفانيهم من أجلِ هذا (العجل) حبًّا به، أو أنَّهم كانوا وَلِهينَ هائمين به. أي أَنَّ هذا لا يعني مسوِّغًا لتقدير كلمةِ (حبِّ) بعد زعمِ حذفِها من النص. فهم ضالُّون مُضِلُّون مُضَلَّلُون ومغلوبٌ على أمرهم. فقد جرَّهم إلى هذا الخطأ والضلال السامريُّ. ويبقى اكتفاءُ النصِّ بكلمةِ (العجل) مُشرَبًا، لا حبِّه - لأنه لا يُشرَبُ - دليلًا على ذمِّهم، وبيانِ دناءَتِهم، واللهُ أعلم.
(1) الصواب: ويجوز.
(2) روح المعاني326:1. وينظر: تفسير الإمام العسكري425.