المبحث الثاني
الحمل على المعنى
تكلمنا في المباحث السابقة على مزية المطابقة بين التركيب النحوي والمعنى والمطابقة من حيث الصدق والكذب وبينا كيفية اتباع العربية لانماط متعددة من التراكيب النحوية تعبر من خلالها عن حاجات المتكلم في ايصال المعاني المطلوبة وتمت دراسة ذلك من خلال مستويي الصواب والجودة وكما نعلم أن هناك طريقين لفهم التراكيب النحوية واسلوبيتها:
اولهما: الحمل على اللفظ وهو الاكثر في كلام العرب، إذ جعل ابن جني الدلالة اللفظية أولى مراتب الدلالات ومن بعدها الدلالة المعنوية [1] .
واشار السيوطي الى أن الاصل في الكلام مطابقة المعنى للفظ [2] ، ولهذا كانت القاعدة عند النحاة أن الحمل على اللفظ افصح واجود [3] ، وسيبويه اول من اشار الى ذلك في مواضع كثيرة من كتابه [4] ومنه قوله (هذا باب جرى مجرى الفاعل الذي يتعداه فعله الى مفعولين في اللفظ لا في المعنى) وذلك قولك: (ياسارق الليلة اهل الدار) وتقول على هذا الحد: (سرقت الليلة اهل الدار) فتجري (الليلة) على الفعل على سعة الكلام" [5] ، لان الفعل (سرق) من الافعال التي تتعدى الى مفعولين، يقال: (سرقه مالًا) ، كما يقال: (سرق منه مالا) [6] ، فأخذ سيبويه حكم الاعراب من لفظ المنادى. وقال في موضع آخر: (هذا باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى لاتساعهم في الكلام والايجاز والاختصار) ، فنقول: (صيد عليه يومان) وانما المعنى (صيد عليه الوحش في يومين) ولكنه اتسع واختصر" [7] .
(1) ينظر: الخصائص: 3/ 98 - 101.
(2) ينظر: الاشباه والنظائر في النحو، ابو بكر السيوطي: 1/ 91.
(3) ينظر: فقه اللغة المقارن، الدكتور ابراهيم السامرائي: 82.
(4) ينظر: النحو والدلالة، مدخل لدراسة المعنى النحوي الدلالي: 156.
(5) كتاب سيبويه: 1/ 175 - 176.
(6) ينظر: المصدر نفسه: 1/ 175، الحاشية.
(7) كتاب سيبويه: 1/ 211 - 215.