وثانيهما: الحمل على المعنى، وهو أن يكون الكلام في معنى كلام آخر من غير تأويل، فتحمل على ذلك المعنى او ان يكون للكلمة معنى يخالف لفظها فتحمل على المعنى دون اللفظ وبذلك يكون الحمل على المعنى ماليس حملا على اللفظ وحده ولا حملًا على الموضع او المحل [1] .
ويعدُّ ابن جني أول من عقد فصلًا تحت عنوان (فصل في الحمل على المعنى) وذكر فيه انواعه اذ قال:"اعلم أن هذا الشرج غور من العربية بعيد ... وقد ورد به القرآن وفصيح الكلام منثورا ومنظوما" [2] ، ويقول ايضا:"اعلم أن العرب اذا حملت على المعنى لم تكد تراجع اللفظ" [3] ،"والحمل على المعنى واسع في هذه اللغة جدًا، ومنه قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [4] ، ثم قال: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} [5] ، قيل فيه إنه محمول على المعنى حتى كأنه قال: (أرأيت كالذي حاج ابراهيم في ربه او كالذي مر على قرية) فجاء بالثاني على أن الاول قد سبق كذلك" [6] ، ومن ذلك قول الشاعر عبد الله بن الزبعرى:
ياليت زوجك قد غدا ... متقلدًا سيفًا ورمحا [7]
"أي (وحاملًا رمحًا) فهذا محمول على معنى الاول لا لفظه" [8] وكثير من الشواهد الاخرى التي التقى فيها ابن جني مع سيبويه [9] ، وذلك كله يخضع لاصول
(1) ينظر: الحمل على المعنى في العربية، علي عبدالله العنبكي (رسالة ماجستير) : 41.
(2) الخصائص: 2/ 411؛ وينظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والايضاح عنها، ابن جني، تحقيق: علي النجدي ناصف والدكتور عبدالحليم النجار، والدكتور عبد الفتاح شلبي: 1/ 145، والشرج، النوع.
(3) الخصائص: 2/ 420؛ وينظر: الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور، ضياء الدين بن الاثير الجزري: 108.
(4) سورة البقرة، من الآية: 258.
(5) سورة البقرة، من الآية: 259.
(6) الخصائص: 2/ 423؛ وينظر: الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور: 108؛ وتفسير التحرير والتنوير: 3/ 34.
(7) الكامل، أبو العباس المبرد، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم: 1/ 334.
(8) الخصائص: 2/ 431؛ وينظر: المقتضب: 2/ 51.
(9) ينظر: كتاب سيبويه: 1/ 284 ومابعدها.