أفلا ترى أنك لو فرضت أن لايكون (نبك) جوابًا للامر ولايكون معدى بـ (من) الى (ذكرى) ولايكون (ذكرى) مضافة الى (حبيب) ولايكون (منزل) معطوفًا بالواو على (حبيب) ، اخرجته من كمال البيان الى مُحال الهذيان، نعم واسقطت نسبته من صاحبه [1] ، وهل نجد في قوله هذا الا استناده الى معيارية النحو من خلال لجوئه الى مستوى الصواب الذي يفضي الى المستوى الآخر وهو (مستوى الجودة) فالمتكلم يفرغ المعنى الذي يريده في احدى بنيات التركيب النحوي على وفق نظام متفق عليه فإذا اختل هذا النظام اختفى مستوى الجودة الذي تكمن فيه المزية والتفاضل، ذلك"أن الالفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الاعراب هو الذي يفتحها وان الاغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها وأنه المعيار الذي لايتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يُعرض عليه" [2] .
فعبد القاهر الجرجاني يصنف بنية التركيب النحوي على مستويين:
الاول: (مستوى الصواب) وهو عمل لغوي مهم مسؤول عن الاثارة التي هي من وظائف الشعر الرئيسة لذلك فهو يقول في ابيات البحتري:
بلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا
هو المرءٌ ابدت له الحادثا ... ت عزمًا وشيكًا ورأيًا صليبا
تنقل في خلقي سؤددٍ ... سماحًا مرجّى وبأسًا مهيبا
فكالسيف ان جئته صارخًا ... وكالبحر ان جئته مستشيبا [3]
"فاذا قد رأيتها قد راقتك وكثرت عندك ووجدت لها اهتزازًا في نفسك، فود فانظر في السبب ... فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدم وأخر وعرّف ونكر وحذف وأضمر وأعاد وكرر وتوخى على الجملة وجها من الوجوه التي يقتضيها علم النحو فأصاب في ذلك كله ثم لطف موضع صوابه وأتى مأتى يوجب الفضيلة" [4] .
وهكذا نفهم ان اللغة تتوافر على ذخيرة من المفردات والبنيات النحوية المختلفة ثم يقوم المبدع بتشكيلها بشكل خاص أي إنه ينظر الى بنية التركيب النحوي بوصفه اختيارا ينتج من استبعاده المساواة بين مستعملي اللغة الاعتيادية وبين الكتاب والشعراء (المبدعين) الذين يبرز لديهم مستوى الجودة كونه اختيارا بعد ان تستوفي نصوصهم الابداعية مستوى الصواب، او الصحة النحوية [5] .
والثاني: (مستوى الجودة) ، الذي نستطيع أن نسميه اختيارًا أسلوبيًا يمتاز باستخدامه في الاستعمال غير الاعتيادي للغة عند الكتاب والشعراء خاصة [6] ، إذ يكشف عن المواطن الصحيحة لاستعمال الكلمات"وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها ... واذا نظرنا في ذلك علمنا أن لامحصول لها غير أن تعمد الى اسم فتجعله فاعلا لفعل او مفعولا او تعمد الى اسمين فتجعل احدهما خبرًا عن الآخر أو تتبع الاسم اسما على ان يكون الثاني صفة او حالا او تمييزًا" [7] ، وعبدالقاهر لايهمل هذا المستوى بل يجده ضروريا والكلام اذا خالف قوانين النحو فليس بعربي [8] .
ويقول في ذلك:"واعلم أنا لم نوجب المزية من أجل العلم بأنفس الفروق والوجوه فنستند الى اللغة ... وماينبغي أن يصنع فيها ... [فـ] اذا نظمت شعرًا وألفت رسالة أن تحسن التخير وأن تعرف لكل من ذلك موضعه" [9] .
وخلاصة الرأي"إنما العبرة في حسن الاستعمال اللغوي بحيث يجيء التركيب"
من حيث صحته الداخلية والخارجية متفقا مع العرف اللغوي" [10] وهذا الرأي متفق في عمومه مع مايراه علماء اللغة اليوم ويتمثل عند عبدالقاهر"في المظهر الابداعي للغة من خلال الاستعمال حيث تبرز قدرة الانسان على خلق لغته كلما حاول التعبير عن
(1) ينظر: دلائل الاعجاز: 337، 375، 410، 411؛ وأسرار البلاغة: 3؛ ومغني اللبيب عن كتب الاعاريب: 1/ 175 و 394.
(2) دلائل الاعجاز: 80.
(3) ديوان البحتري: 1/ 101؛ والقصيدة في مدح الفتح بن خاقان ومعاتبته.
(4) دلائل الإعجاز: 120.
(5) ينظر: البنى الاسلوبية في شعر السياب، حسن ناظم عبد (اطروحة دكتوراه) : 50 - 51.
(6) المصدر نفسه: 51.
(7) دلائل الاعجاز: 98.
(8) تربية الذوق البلاغي عند عبد القاهر الجرجاني: 211.
(9) دلائل الاعجاز: 246.
(10) عالم اللغة، عبد القاهر الجرجاني، المفتن في العربية ونحوها: 182 - 183.